فيوليت ديكسون"ام سعود"



alt
فيوليت وزوجها وولداها سعود وزهرة بالزي العربي امام الخيمة

محطات في حياة هذه السيدة التي عاشت بين ظهراني الكويت حيث لا كهرباء ولا ماء ولا مواصلات ولا حياة سعيدة.
ولدت عام 1896 وتوفيت عام 1991، وعاشت في الكويت 61 عاما من عمرها الذي بلغ 94 عاما. عندما اصدرت كتابها، وهو مذكراتها في الكويت على مدى اربعين سنة، أى منذ وطئت قدماها الكويت إلى ان توقفت عن الكتابة وذلك عندما وصلت إلى سن متقدمة وأصبحت في حاجة إلى الراحة والسكينة.
هذه هي فيوليت بنيلوب لوكس لكرافت زوجة ممثل بريطانيا في الكويت السيد هارولد ديكسون في أوائل القرن العشرين، هذه السيدة دخلت التاريخ من ابواب الكويت المشرعة الواسعة وكان يطلق عليها ام اسعود، حيث سمت ولدها توجو اسعود والذي أصبح بعدها ضابطا في الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، كما سمت ابنتها زهرة وظلت زهرة تحمل هذا الاسم في حياتها.
هذه مقدمة لحياة سيدة انكليزية عاشت في الكويت في اول القرن العشرين.
alt
ديكسون "ابو سعود"
 
بنات الانكليز
لا يختلف اثنان على ان هناك كثيرات من بنات الانكليز في القرون الثلاثة السابقة قد «جاسو» «اي لفو» بتشديد الفاء، العالم العربي وكانت لهم بطولات.
في أوائل القرن الثامن عشر كانت شهية الدول الغربية متجهة الى اكتشاف العالم كله وبالاخص العالم العربي الاسلامي والاستيلاء عليه، لهذا كانت القوة البحرية التي اخذت تتطور في تقدم صناعتها ساعدت هذه الدول على الوصول الى هذا العالم. وكان ان تصدت في بريطانيا مجموعة من الشخصيات الذين خدموا هذه الامبراطورية ووصلوا الى هذه البلاد قبل قوات بلادهم مستكشفين مستخبرين ومسجلين ومتعرفين على كل صغيرة وكبيرة في هذه البلاد، كنت قد كتبت في بحث سابق عن اسماء بعض الشخصيات الرجالية الذين خدموا الامبراطورية البريطانية في تلك الفترة، وكلهم مغامرون ومستشرقون وباحثون، لكن كانت هناك مجموعة من السيدات يجب ان يتوقف الانسان عندهما للدراسة، من امثال هؤلاء:
1 ـــ الليدي هسترستانهوب (1776 ـــ 1839) التي جابت كثيرا من البلاد وآخر المطاف في لبنان.
2 ـــ جروثروديل (1868 ـــ 1926) المرأة التي لعبت دورا بارزا في العراق وتوجهت الى حائل قبل نهاية حياتها.
3 ـــ السيدة (دغبي) المرأة التي طافت كل انحاء سوريا وتزوجت من احد زعماء قبيلة الاسبعة.
4 ـــ الليدي آن بلنت (1878) المرأة التي عبرت نهر الفرات وعاشت بين قبائله أعواما واعواما.
5 ـــ فيوليت ديكسون (1896 ـــ 1991) هؤلاء السيدات، وبعضهن آنسات، لم يكن بينهن ناشطات سياسيات و لا سيدات صالونات بل فاعلات وعاملات في السياسة، كل واحدة من هؤلاء وغيرهن كان يرسم لها دورها لتؤديه لخدمة هذه الامبراطورية حين تحين ساعة الصفر.
تصور في منتصف القرن الثامن عشر يتوجه هذا النفر من النساء الى العالم العربي، وتركب المرأة الجمال وتسكن بين سكانه سواء البدو او الحضر وتجتاز الطرق غير المأهولة وتسجل وتحلل لكي يأتي من بعدها من يكمل الطريق، هكذا كان، فقد احتلت فرنسا وبريطانيا بلاد الشام ليس على العمى وبدون معرفة سابقة، لكن هؤلاء وامثالهن مهدن له الطريق للوصول الى اهدافهم المنشودة في هذه البلاد.

 

خلف زوجها
من بين هؤلاء السيدة فيوليت ديكسون هذه السيدة وقفت خلف زوجها ممثل بريطانيا في الكويت هارولد ديكسون، وتصدت لمسؤوليات كثيرة، لننتفع به في تاريخ الكويت، تركت كتابها «اربعون عاما في الكويت» وهو مذكراتها، الذي القت فيه الضوء على الحياة الاجتماعية في الكويت وصحرائها، ثم اصدرت كتابا آخر عن النباتات والورود في الكويت التي توشك ان تنقرض، وقد اخذت نماذج من هذه النباتات والورود وارسلتها الى متحف «بيولي» في لندن، متحف النباتات في العالم، كما ان ابنتها زهرة قد اخرجت كتابا هو «الكويت كانت منزلي»، وقبلها السيد ديكسون اخرج كتابين قيمين الاول «الكويت وجاراتها» والثاني «عرب الصحراء».
هذه الاسرة كانت خلال اقامتها في الكويت تركت بصمات لا تنسى.
كان في الكويت اكثر من خمسة وعشرين ممثلا لبريطانيا في الكويت،لكن الوحيد الذي ترك بصمات لا تمحى هو ديكسون وغيره مر مرور الكرام.
وهنا لا ننسى ان هناك سيدات وصلن قبل السيدة فيوليت ديكسون الى الكويت منهن السيدة الياتور كالفرليالتي كانت في الكويت سنة 1912وافتتحت المستشفى الاميركي ومنهن قدمن من الولايات المتحدة الاميركية من الارسالية، وكانت السيدة كالفرلي قد سجلت مذكراتها في كتاب قام المرحوم عبدالله خالد الحاتم بترجمته.
هذه السيدة ديكسون، التي ولدت عام 1896 في جوتباي بكنلولن مشاير، وفي سنة 1919 عملت في بنك شركة كوكس وسيليا، وتعرف عليها السيد ديكسون هناك، ويشاء الحظ ان يتزوجها في الهند، ومن هناك ينتقل الى البحرين ثم الى العراق، البصرة والعمارة ثم الى مدينة الكوت، ومن هناك يتم اللقاء مع قادة الحكم في المنطقة السير برس كوكس فيلبي جيرترود بيل ورابعهم هارولد ديكسون، هؤلاء الذين كتب لهم التاريخ ان يحكموا المنطقة ردحا من الزمن، هؤلاء الاربعة كانت وتساعدهم مجموعة من الموظفين يعملون ليلا نهارا لتطويع العراق، وكان قد انفصل عنهم في حينها كلوب باشا او ابو حنيك الذي كانت له الكلمة الاولى في الاردن.

 

البداية في الكويت
وهنا يسرني ان انقل ما ورد في مذكراتها في الصفحات 121 – 122 – 123، وهي بداية حياتها في الكويت، هذا هو الاهم، حيث استطاعت ان تتلاءم مع واقع الحال، تقول في كتابها الذي اشرف عليه السيد سيف الشملان التالي:
في اليوم الثاني والعشرين من شهر مايو 1929 وصلنا إلى الكويت بعد رحلة شديدة الحرارة، ورست السفينة على بعد ميلين عن الشاطئ، وخرج المفوض السياسي الليفتنانت كولونيل جي. سي. مور ـ الذي كان هارولد سيحل محله ــ بزورق المعتمدية للقائنا.
وعندما اقتربنا من المرفأ الصغير أمام المعتمدية انتقلنا إلى جلبوت صغير، ولان المد كان مرتفعا فقد حملنا ملاحو الزورق الواحد تلو الآخر في محفة خاصة وخاضوا بنا في الماء والوحل ووضعونا على الشاطئ الرملي الجاف، وفي هذا الوقت بدأت أشعر بالمرض والاعياء، وحالما اصبحت في داخل المنزل استلقيت على الفراش في غرفة شديدة الحرارة وبعد مدة من الوقت امكن العثور على صبي ليجذب حبل البنكة ــ وهي مروحة تشبه الستار تتدلى من السقف ــ وشعرت بالتحسن، وفي الهوآء الطلق قمنا بجولة حول المنزل لتفقده فوجدناه في حالة ترميم مروعة، فكانت بداية غير سعيدة لحياتنا الجديدة (1).
كان الليفتنات كولونيل مور وزوجته قد خططا للرحيل إلى اوروبا بسيارتهما في الساعة الرابعة والنصف من الصباح التالي، وقد سلما المعتمدية إلى هارولد حال وصولنا، وفي ذلك المساء كان الجو يسوده التوتر اثناء العشاء، واقترح الكولونيل مور ان نجلس، هارولد وأنا على المقعدين الكبيرين عند طرفي المائدة، بينما يجلس هو وزوجته على المقعدين الصغيرين على جانبي المائدة، ولكننا صممنا على ان يجلسا في مكانهما المعتاد، شكرا شكرا قال الكولونيل مور إن هذا يعني الكثير بالنسبة لنا. لقد كان الكولونيل مور من أتباع المدرسة القديمة وعلمنا فيما بعد انه كان دائما يرتدي سترة العشاء في كل مساء حتى عندما يتناول العشاء مع زوجته وحدهما.
وضع فراشنا على السطح المنبسط خارج غرفة الطعام، اما آل مور فقد ناما على قمة السطح، وقد ودعناهما قبل ان ننام ولم نرهما عندما رحلا في الصباح. وكان آخر كلمات الكولونيل مور لنا في المساء السابق هي: حسن انني سعيد جدا لانني لن اقضي شتاء آخر في هذا المنزل، وقد اقر الكولونيل مور بأن المنزل لم يرمم منذ سنين عديدة، حيث انه قد وضع خطة قبل عدة سنوات لبناء معتمدية جديدة أقرب إلى البحر عبر الطريق، وقد قدم خريطتها إلى الحكومة في الهند ولكنها اهملت وضاعت في غياهب النسيان.
لقد كانت ملاحظات الكولونيل مور عن المنزل في الكويت غير مشجعة، وقد أظهر أول تفتيش شامل قمنا به لمبنى المعتمدية بأكمله ان المبنى معرض بشكل بارز لخطر الانهيار.

alt

بيت ديكسون عام 1909 ويبدو السلم المزدوج

إطلالة على المرفأ
وكان هذا المبنى يتكون من طابقين تظلله على طول السطح الأعلى شرفة عريضة تطل على المرفأ. لقد كان مبنيا على الطراز العربي التقليدي ويشبه في بنائه معظم منازل الكويت، فالجدار من طوب اللبن المجفف في الشمس، مطلي بطبقة من الجبس الأبيض، وكان المطر الغزير متسربا من الجبس ويصل إلى الطين فيحلله، لذلك كانت هذه البيوت تحتاج إلى ترميم فوري بعد كل فصل شتاء.
كان الطابق الارضي يضم مكاتب المعتمدية منها مكتب بريد ومطبخ، اما غرفة النوم فكانت في الطابق العلوي، وكان هناك سرداب طويل بارد مظلم يمر من خلال الطابق الاسفل، ويمتد من البوابة الرئيسية الى الباحة الداخلية للمنزل، وكانت جدران المنزل تتخللها الرطوبة، وكانت المشكلة ان المنزل يقع على سطح منحدر، وكانت مياه المطر المتجمعة من ثلاثة منازل تقع على التل خلف منزلنا تتدفق عبر دهليز منزلنا الى البحر.
كانت غرفة ضيوف المعتمدية تقع في الطابق العلوي في جناح منفصل يبعد ياردات قليلة عن المنزل الرئيسي، وكان هناك جسر خشبي صغير يصل بين المنزل وشرفة الغرفة الاضافية، ولكن عندما وصلنا كانت هذه الشرفة مكومة على الارض مما يجعل الدخول مستحيلا.
وقد عثرنا على بناء فارسي حاذق هو الاسطى احمد، الذي جاء لانقاذنا وقد استعمل البناء الصخور المرجانية البحرية، وهي الحجارة الوحيدة المتوفرة في الكويت، في تقوية اساس المنزل وبناء اربع دعائم في مقدمة المنزل، وعلى الرغم من حاجة المنزل الى العناية الشديدة كل عام تقريبا، فاننا جعلنا منه منزلا مريحا، وهو الآن منزلي منذ اربعين عاما، باستثناء السنة الاخيرة لهارولد كمعتمد سياسي حيث انتقلنا الى معتمدية جديدة.

 

من الرواد
اخيرا، هذه قصة سيدة تعتبر من الرواد الاوائل وذلك بوصولها الى منطقتنا في اوائل القرن العشرين، حيث، كما قلت، لا كهرباء ولا ماء، وحر وبرد وشوارع غير معبدة والاتصالات مع بريطانيا والعالم عبر السفن التي تصل كل اسبوعين، مرة من الهند وممثلها من بريطانيا، كان السفر بالطائرة لا يتم الا للشؤون الحربية وابناء الاسرة المالكة في بريطانيا او حاكم الهند ومن في مستواه، كانت فيوليت ديكسون تأقلمت مع واقعها في الكويت وتكيفت حتى سجلت هذه المذكرات.
قابلت فيوليت ديكسون في سنة 1961، عندما اقام لها ابو زياد، (طارق رجب) صاحب المدرسة الانكليزية الحديثة اليوم وكان وقتها مديرا لادارة المتاحف، وليمة عشاء بمناسبة رجوعها من رحلتها الى سويسرا بعد فصل الصيف، وذلك في متحف الكويت المبنى الاول الملاصق لقصر دسمان، وهذا الديوان كان للسيد خزعل وقد اشتراه الشيخ عبدالله الجابر واجره الى وزارة المعارف (التربية) فيما بعد حيث عمل بداية في متحف الكويت، كانت نشطة عمرها لا يتجاوز الخامسة والستين، وتحدثت معها وهي تتكلم اللغة العربية الفصحة بلكنة انكليزية وتقول: انني احب ان اقضي بقية حياتي في هذه البلاد التي عشت فيها ثلاثة ارباع عمري.
اقول اخيرا انها سيدة من الرواد الاوائل الذين شاركوا في البناء والدفاع عن الامبراطورية البريطانية وكل يؤدي دوره، البعض في الظل ويأخذ دور الكمبارس والبعض يظهر على المسرح كبطل، السيدة ديكسون هي من هذا وذاك.

alt
فيوليت «أم سعود»

alt

alt
• فيوليت ديسكون محاطة بابنتها زهرة (الى اليمين) وحفيدتها بني (الى اليسار) عام 1987
 
 
*موقع تاريخ الكويت

الدكتور سندرسن باشا

الدكتور سندرسن باشا


الدكتور سندرسن باشا

ذاكرة عراقية

 

الدكتور سندرسن باشا

 

هو طبيب العائلة المالكة العراقية ابتداء من فيصل الاول وانتهاء بفيصل الثاني،واهم مؤسس لكلية الطب العراقة،قضى في خدمة العراق والطب 27 عاماً طبيباً وأستاذا وعميداً لكلية الطب ومستشاراً سياسياً في الحكومة العراقية دون ان ينسى انكليزيته لذلك لعب دورا في حياة العائلة المالكة السياسية والاجتماعية،وان يسهم بطرف خفي في رسم بعض السياسات الداخلية والخارجية لحكومة بغداد انذاك وفق ما تتطلبه مصلحة حكومته في لندن.

 

ولد هاري سندرسن في اسكتلندا عام 1891 من عائلة عريقة ظهر فيها العديد من الاطباء،تخرج في جامعة أدنبرة كلية الطب عام 1914،التحق في نفس السنة ومع بداية الحرب العالمية الاولى بالخدمة العسكرية ودخل العراق من البصرة برتبة ميجر (رائد)عام 1918.

عين مساعداً ادارياً في القسم الطبي المدني الملحق بدائرة الامور الصحية العسكرية البريطانية وارسل الى الحلة لتنظيم حملة ضد وباء الطاعون،اعتزل العمل الاداري في الجيش لكنه استمر في خدمة مدينة واصبح رئيساً لصحة المدينة،ثم عاد الى بلاده وحصل على شهادة زميل كلية الاطباء الملكية،وعلى اثر ذلك عاد الى العراق فأصبح طبيب الملك فيصل والعائلة،كان من اكبر المتحمسين لتأسيس كلية الطب في بغداد وعين عميداً لها وهو الذي اشرف عليها وعلى ضبطها،ومن نوادر اخباره انه لم يفلح في معالجة فيصل الثاني الذي قلقت على صحته والدته الملكة عالية فعرضته على طبيب شعبي مشهور في منطقة الكاظمية اسمه سيد ابراهيم فأرسلت في طلبه فابى ان يحضر الى قصر الزهور قائلاً (من يحتاجني يأتي الي) فحملت ابنها اليه فعالجه وشفي فيصل فلم يكن من سندرسن باشا الا ان يلتقي بهذا الطبيب الشعبي ويتعرف عليه فتوطت بينهما علاقة وثيقة  .

غادر العراق عام 1946 وقد توفى عام 1974 بعد نشر مذكراته باسم عشرة الأف ليلة وليلة وهي الفترة التي قضاها في العراق(تلك الكلمة المباركة بلاد الرافدين) تخليداً لذكرى علاقاته مع(العائلة المالكة في الرحيمة في العراق،وتلك العائلة التي قضى عليها بوحشية سنة 1958).

 

*مجلة شعوب للثقافة الديمقراطية

مهندس الري وليم ويكوكس

مهندس الري وليم ويكوكس


مهندس الري وليم ويكوكس

 

ذاكرة عراقية

 

مهندس الري وليم ويكوكس

 

 

على اثر جفاف نهر الحلة استعانت الدولة العثمانية حين كان العراق ولاية من ولاياتها، بالمهندس الانجليزي وليم ويكوكس للتخلص من هذه المشكلة، فواجه اول مشكلة آنذاك وهي انعدام الخرائط المساحية التي تعتمد عليها مشاريع الري الكبرى، ولكن خبرته الواسعة مكنته من أجراء مسح سريع  قدم  على ضوئه تقريراً مثيراً الى الدولة العثمانية، وهو بناء سد في نفس موقع سد بالاكوباس القديم الذي  يعود بناؤه الى زمن الاسكندر المقدوني الأكبر.

 

وحين حصل على الموافقة وضع التصاميم الأولى للسد المزمع إنشاءه، وبما انه استعان ببناء السد على التراب ومن نفايات الطبيعة المتوفرة في السهول المحيطة بنهر الفرات فأن هذه السدة تعتبر بشكل أكيد أحياءا لذلك السد الاسكندري.

 

وبعد جهد وعناء تم افتتاح سدة الهندية على نهر الفرات في 12 كانون الأول عام 1913م فارتفع منسوب المياه وجرى الماء في نهر الحلة واخضرت جوانبه.

 

ان حياة المهندس وليم ويكوكس في العراق أثارت اهتماماته التاريخية بأرض الرافدين التي أكد في كتابه (جنة عدن ) انها هي التي شهدت وجود ادم  وحواء على أديمها كما ان طوفان نوح بدأ منها، كما انه ترك ذكريات حبيبة الى قلبه قضاها في بغداد دونها في مذكراته.

 

*مجلة شعوب للثقافة الديمقراطية

القائد طارق الافريقي

                                       alt

القائد طارق الأفريقي الحامل لرتبة زعيم في الجيش العثماني السابق كان أحد الضباط الذين خاضوا غمار الحرب والمعارك في ميادين القتال إبان الحرب العالمية الأولى في البلقان وشرقي أوروبا وفي لبيبا آخر سنوات الحكم العثماني.
ظل هذا الضابط مع مجموعة من الضباط والجنرالات العرب بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها في حكم المتقاعدين، واختار طارق الأفريقي المعروف بشجاعته وحزمه وحماسته للقضايا العربية والإسلامية من دمشق وطنا له!!
كان ذلك الضابط ذا ثقافة واسعة وخبرات عسكرية متميزة يتقن اللغة العربية والتركية والألمانية والفرنسية إلى جانب لغة كان يتحدث بها في طفولته وهي لغة (الهوسا) النيجيرية.
أتم الضابط طارق الأفريقي دراسته الابتدائية في طرابلس الغرب (ليبيا) ثم أكمل دراسته الثانوية والعسكرية في إستانبول وفي ألمانيا.
عرفه الدمشقيون بالضابط الأسمر، كما عرفته الأندية ومجتمعات تلك البلاد بطلعته المهيبة وقامته الممشوقة، وأناقته وسمته العسكري.. أما رواد الثقافة والعلم فقد عُرف بينهم بالاطلاع الواسع، وغزارة المعرفة، وحفظ المقطوعات الكثيرة من أمهات دواوين الشعر العربي والتركي، مع فصاحة في اللسان وحسن استخدام لتلك الموروثات، وكان مع كل ذلك فكها يحفظ الكثير من الملح والطرائف يتحف بها من حوله في النوادي والمجتمعات الدمشقية.
كان من المتابعين بشغف لأخبار الجزيرة العربية لا سيما بلاد نجد والحجاز وكان من أوائل من اجتذبتهم عن طريق السماع شخصية الملك عبدالعزيز، وقد زاد اهتمام هذا الضابط بالملك عبدالعزيز، بعد أن قدر له أن يضم الحجاز والأماكن المقدسة إلى بقية مملكته، وربما كان مبعث هذا الاهتمام أن طارق الأفريقي هذا كان في يوم ما مساعدا لأحد أفراد الولاة العثمانيين على الحجاز.
تأثر هذا الضابط بما سمعه وقرأه عن الملك عبدالعزيز فتحول إعجابه به إلى أن أصبح من شيعته في تلك البلاد وأصبح يشيد بتصرفات ذلك العاهل وشجاعته والإشادة فيما يتعلق بتصحيح بعض السلوكيات الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك الإقليم قبله، حتى تحولت بحكم الممارسات والعادة إلى طقوس ظن الجهلة أنها من الدين مثل معارضته للاهتمام بتشييد القباب على القبور وإعطاء بعض المزارات والأماكن غير المقدسة فضائل لم تثبت صحتها، وقد أعجب هذا الضابط تصرف عبدالعزيز أيما إعجاب عندما أبطل عادة الصلاة خلف الأئمة الأربعة للحرم في وقت واحد وألغى عادات أخرى ليست من الدين في شيء.. فكتب هذا الضابط في مذكرات عن تلك العادات والتقاليد وأشاد بالملك عبدالعزيز في القضاء عليها.. والتهوين من شأنها.
وظل الأفريقي يتحدث عن ذلك طيلة حياته فيما تركه من مدونات.
أما الخطوة التي أشاد بها وجعلها حديثه في المجتمع الدمشقي فهي الخطوة التي قام بها عبدالعزيز عندما أنهى عمليات الجيش الشريفي بعد استسلامه، وكان ذلك الجيش جيشا منظما مدربا يملك أسلحة مناسبة، وبه قيادات من العقداء والجنرالات ويسوده التنظيم الحديث.. فلم يقدم عبدالعزيز على طرد الجيش ولم يبعثره، كما يصنع الفاتحون الغوغاء، بل تحول عبدالعزيز إلى نموذج إصلاحي في تعامله مع ذلك الجيش المهزوم بأن دعا أفراده وطواقمه إلى أن يبقوا في أماكنهم يتقاضون أجورهم ويعملون في خدمة بلدهم إلا من لا يريد ذلك فله متسع من الحرية فليذهب حيث شاء.. أما من يريد الانضمام إليه فعلى الرحب والسعة وعليه أن يسجل اسمه في قطاع الشرطة في مكة المكرمة ذلك بأن الملك عبدالعزيز لم يكن في ذلك اليوم يملك جيشا منظما وإنما كان يملك أقوى جيش تقليدي عرفته الجزيرة العربية يعرف بجيش "أهل الجهاد" مكون من البادية والحاضرة!!
كان هذا العمل رائعا وعظيما في نظر ذلك الضابط عند استسلام آخر قوة للجيش الهاشمي في جدة سنة 1344هـ (1925م).
وهنا لا بد لنا أن نقارن بين هذا العمل العبقري من قبل الفاتح عبدالعزيز، وبين الخطوة الخاطئة التي ارتكبها أقوى جيش في العالم ـ هذا اليوم ـ جيش الحلفاء عند استسلام الجيش العراقي.. في قصة إسقاط حكم صدام في العراق.. وكيف عامل الجيش الغازي جيش العراق القوي بأن طرده، وجرده من كل حقوقه حتى تحول ذلك الجيش المطرود إلى غصة تجرعها الجيش الغازي فتحول ليس إلى جيش يطالب بحقه في العيش وإنما إلى مخالب وأنياب يصعب الخلاص من شراستها ومع أن الفارق يبدو كبيرا إلا أن الصورة بملامحها وتفاصيلها هي الصورة بكاملها.. ولكن أنى أن يتخذ جيش التكنولوجيا والرادار والأقمار الصناعية تجربة إنسانية من تراث قائد جيش في العالم الثالث!!
كان القائد طارق الأفريقي قد تأثر بما يسمعه وما يقرأه عن الملك عبدالعزيز، وعن ديوانه ومجلسه الملكي في الرياض ومكة وأن ذلك المجلس أشبه شيء بما نقرأه عن مجالس خلفاء بني العباس ودواوينهم.. حيث يوجد في ديوانه ومجلسه رجال من كافة البلاد العربية والإسلامية وغيرهم.. وكان أن اختار صفوة منهم لكل واحد مزاياه وثقافته الخاصة، وقد استطاع بقدراته أن يكون منهم فئة متناسقة متناغمة التفكير في إطار ما يخطط له على اختلاف في بعض توجهاتهم لكن أحداً منهم لم يفرض عليه الانحياز لأي خط سياسي لا يرضاه. ومع ذلك كان يفضل فيهم الاستقلال في الرأي.. فلم يكونوا إمعات ولم يكونوا طلاب وظائف أو معاشات كما وصفهم مؤرخ آثم.
ويشاء الله أن تغزو إيطاليا سنة 1353هـ بلدان الحبشة فيهب هذا الضابط المسلم طارق الأفريقي مع من هب للتطوع في جيش الإمبراطور هيلاسيلاسي لا للدفاع عن ذلك الإمبراطور ولكن للدفاع عن تلك الأرض العزيزة على قلوب المسلمين الذين رحب ملكهم (النجاشي) الملك الصالح بالمهاجرين الفارين بدينهم من مكة ـ في عصر صدر الإسلام ـ فلقوا في رحابه في تلك البلاد كل الترحيب والحماية وأخذت الصحف العربية تكتب المقالات وتشيد بالمجاهدين والمتطوعين وفي مقدمتهم طارق الأفريقي ووصفت الأنباء العالمية طارق بالنمر الأسود لما أبداه من شجاعة.. وكتبت عنه الصحف الدمشقية الكثير ونشرت العديد من صوره، وتحدثت عن أن طارق الأفريقي قام بالقفز والهبوط بمظلة من إحدى الطائرات على أكبر ميدان من ميادين (أديس أبابا) وهو يرتدي بزته العسكرية، وعندما هبط على الأرض ألهب الحماس وتعالت الهتافات وتلقاه الآلاف بالأذرع لأنهم لم يروا مثل هذا المنظر في حياتهم.
ومنذ ذلك اليوم أصبح اسم طارق على كل لسان لا سيما بعد أن قاد في ميدان القتال جموعا من المحاربين.. وعاد طارق من ذلك الميدان إلى دمشق، وظهر في مجتمعاتها وأنديتها بعد أن أصبحت أخباره في كل أنحاء دمشق!!
وكان الملك عبدالعزيز قد سمع عن هذا الرجل وعرف أخباره وعندما عزم على إنشاء الجيش السعودي، فكر في شخصية عسكرية موثوقة تتولى الترتيب لتولي النواة الأولى للجيش الذي شكله بعد انضمام الحجاز إلى بقية المملكة.. وكان ذلك الجيش بسيطا وقد وكل أمره إلى قائد يعرفه حق المعرفة هو صديقه سليمان شفيق باشا أحد الضباط الذين تولوا ولاية عسير في العهد العثماني وكان القائد سليمان شفيق باشا قد استبقاه الملك عبدالعزيز في الحجاز، وطالبه بتكوين الدفعة الأولى من الجيش السعودي، غير أن الشيخوخة قد أدركت الجنرال وتقدمت به السن فتنحى عن العمل واعتذر من صديقه الملك عبدالعزيز عن المواصلة، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن كتب إلى صديقه الزعيم السوري الوطني الرئيس شكري القوتلي قبل أن يتولى منصب الرئاسة يستشيره في أن يستقدم القائد طارق الأفريقي لأداء مهمة تأسيس رئاسة أركان الحرب في الجيش الذي يزمع إنشاءه، فأطراه شكري القوتلي، كما أشار إلى استقامة الرجل وشخصيته العسكرية البارزة وأشار إلى جهاده وخوضه غمار الحروب، وقدم ذلك القائد إلى المملكة، وتولى تدريب الألوية العسكرية وتسلم رئاسة أركان حرب الجيش.. فكان له أثره الذي لا ينسى في تاريخ تطور الجيش السعودي من حيث إعادة فتح المدارس العسكرية وسن النظم والرتب العسكرية وظل كذلك يخدم في تكوين هذا الجيش الذي شب وترعرع بفضل ذلك النفر من المحاربين القدماء وعلى رأسهم الملك عبدالعزيز، حتى أصبح هذا الجيش اليوم ـ بحمد الله ـ قوة نظامية ضاربة وأصبح قطاعات وشعباً وأسلحة مختلفة.. كلما تذكرناها ونظرنا إلى تفوقها، ترحمنا على المؤسس الأول الملك عبدالعزيز وعلى كل من شارك وساهم في بناء هذا الجيش.. ذلك المؤسس العظيم الذي رأى بثاقب رأيه مجاراة تطور التسلح فلم يتردد ولم يتوان في غرسه حتى آتى ثماره بعد أن كان يعتمد في فجر حياته على جيش الجهاد المكون من الحاضرة والبادية، وظل ذلك الجيش يؤدي واجباته حتى سنة 1348هـ.
لقد بدأ الملك عبدالعزيز في تأسيس هذا الجيش بتشكيل عسكري بسيط ربطه بقائد الأمن العام عبدالعزيز بغدادي، ثم استقدم بعض الضباط من أقاليم عربية أخرى مثل العقيد محمد مراد الاختياري الذي وضع أسس التشكيلات العسكرية الإدارية.. كما استقدم نبيه العظمة من سوريا فاستمر في إدخال التحسينات الممكنة في قطاعات الجيش يساعده القائد الشهيد فوزي القاوقجي، تم كل ذلك قبيل سنة 1358هـ وهو العام الذي استقدم فيه الزعيم طارق الأفريقي وعين في رئاسة أركان الحرب، وعين في تشكيلات الفرق المدرعة، وهي الفرقة التي ألحقت بعد إتمام تدريبها في الحرس الملكي في الرياض.. كما ساهم في تشكيل الفرقة الأولى للفرسان، ووحد الزي العسكري والشارة العسكرية المميزة.
ولست هنا معنيا بتاريخ تأسيس القوات المسلحة أو الحديث عن تاريخ تطورها فلذلك كتابه ومؤرخوه.. غير أنني بمناسبة مضي 70 عاما على تأسيس أول رئاسة لأركان حرب الجيش العربي السعودي، طاب لي الحديث أن أتحدث عن ضابط فذ ساهم في تأسيس هذا الجيش يجب أن نتذكره جميعا وأن نثني على جهوده، وأن ندعو له بالرحمة مع غيره من الضباط الكبار الذين أسهموا في تأسيس وتطوير جيشنا العربي السعودي الباسل.
فقد تحدث الكثير عن هذا القائد بما هو أهله حيث وصفه الأستاذ عبدالله بلخير بأنه قد تعرف إليه في الطائف وكان يجتمع به كثيرا، وقد حفظ من طرفه وملحه وصياغة أحاديثه الكثير كما عرف عنه ذكرياته في طرابلس الغرب والبلقان وبرلين وإستانبول والحبشة، وما وعاه في دمشق عن رجالها وظرفائها.. فكان بحق عالما عارفا بتاريخ الشعوب تلقى ذلك من ينابيع المعرفة، في مكة المكرمة والرياض وإستانبول ودمشق والقاهرة وأكثر عواصم البلقان التي تجول فيها.
عاد هذا الضابط ـ بعد أن داهمته الشيخوخة وأحيل إلى التقاعد ـ إلى دمشق ليأنس إلى أصحابه ويعكف على قراءته.. وقد كتب كتابين عن الدولة السعودية أحدهما كتاب "الدولة السعودية في الجزيرة العربية" والثاني كتاب حول المبتدعات في الدين.
ولم يزل كذلك حتى وافته المنية في حدود عام 1371هـ، حيث دفن في دمشق.

*صفحة نايف الاسلامية

الملك السوداني بعنخي

كتبها:مصعب المشرف

لا يحتفـظ التاريخ في داخل طياته بسيرة ملوك وحكام وقادة إلا إذا كانوا على مستوى الحدث والإنجاز .. ولا يفرق التاريخ في ذلك بين من حقق إنجازات باهرة لشعبه والإنسانية ، او من ارتبط إسمه بكوارث لشعبه وأحداث سلبية مدمرة ... وبمثل ما احتفظ التاريخ على سبيل المثال لقيصر بعقلانيته وأوكتافيوس بإندفاعه ؛ كذلك احتفظ لنيرون وهتلر بجنونهما وتخريبهما وحماقتهما ...... ولكن الملك بعنخي كان في هذا المجال من فئة السوبر الذين اهتزت لهم في زمانهم قلاع المقادير وانخلعت قلوب الطغاة وتهاوى عرش كل جبار عنيد ...... وفتحت له صفحات التاريخ صدرها الغض البض العارم ليسطر فيها ما يشاء وكيف شاء ....ومن ثم فقد كان على موعد من حفاوة وتقدير متجدد عبر العصور ، من لدن أهله وغير بني جلدته على حد سواء.

alt

الملك السوداني بعنخي ....

أطلقت الصحافة العالمية المتخصصة مسمى (الفراعنة السود) على ملوك السودان الذين حرروا مصر من غزاة الشمال والشرق وسيطروا على مقاديرها لفترة من الزمان

وعليه فإنه لايمكن إغفال الوقوف في حضرة تاريخ هذا الملك السوداني العظيم؛ ولأسباب عديدة لا تتعلق فقط بإنجازاته في مجال تحقيق النهضة ، وتوفير الحياة الكريمة لشعبه وإنما لبراعته كذلك في القيادة السياسية ، وقراءة الأحداث والظروف المحيطة على نحو لا يخلو من عبقرية يحسده عليها كل القادة الذين جاءوا من بعده ، وتتمتع بإعجاب ودهشة العديد من البشر على مختلف مستوياتهم ومشاربهم.... ولقد كان جلالته على نحو من درجات الإيمان تجعلك في حيرة من أمرك . ذلك أن السلطة تسكر عقل صاحبها عادة وتدير وجهه بعيدا عن التزامات العبـد الإلهي لتهوي به وبإيحاء وتزيين من حاشيته في غياهب عبادة الذات .... ولكننا نرى بعنخي رغم ما وصل إليه من سلطة امتدت وتوسعت لتشمل كل بوصة مربعة من وادي النيل تقريبا ؛ إلا انه ظل متواضعا أمام أوثان وآلهة ديانة هذا الوادي القديمة، ولا يخرج من معركة إلا ليدخل معبدا يشكر ويقدم القرابين ويطلق في وجهها الأملس البخور ، ويوقد لأعينها الحجرية الباردة الشموع.

مملكة نبتـــة:
كــان بعنخي (وينطق إسمه لدى السودانيين بعـانخـي) من ملوك مملكة نبتة التي تمخضت عن اتحاد ممالك السودان الشمالي من الشلال الأول (قرب أسوان حاليا) وترامت حدودها شرقا بمحازاة البحر الأحمر وامتدت جنوبا إلى جبال الحبشة وغربا إلى حدود ليبيا الحالية ..... ويمتد تاريخ تكوين هذه الممالك ونشوء أنظمة الحكم فيها إلى سنة 4000 ق.م تقريبا حيث كان يشار إليها مجتمعة بمسمى ((أثيوبيا)) ..... وكان أول صدام مؤرخ بينها وبين المملكة المصرية يعود إلى ما بعد تاريخ 3703ق.م خلال حكم الملك ببي الأول ثاني ملوك الدولة المصرية السادسة ....
لكن الفترة التي شهدت بزوغ فجر مملكة نبتة المتحدة إلى مسامع العالم القديم، ورصدها كحضارة إنسانية معترف بها فقد استقر رأي المؤرخون وعلماء الآثار على أنها كانت من سنة 1600 ق.م إلى سنة 664 ق.م. ..... أو على نحو من 936 سنة بالتمام والكمال لتشغل بذلك من عمر الزمان المتسع فترة من بين أطول الفترات التي سجلها التاريخ لممالك بشرية على وجه الأرض . وكان إسم العاصمة هو ايضا ((نبتة)) وتقع بالقرب من جبل البركل الذي كان يسمى ((الجبل المقدس)).
.... والملاحظ أن الديانات المصرية لم تنتشر في مملكة نبتة إلا خلال الفترة المعاصرة لحكم الأسرة المصرية رقم 21 . وسبب انتشارها يعود إلى لجوء العديد من الكهنة المصريين إلى السودان إثر خلاف مع بعض ملوك هذه الأسرة التي حكمت مصر خلال الفترة مابين 1110 ق.م و 980ق.م ..... وحيث نرى أن الملك بعنخي عند قدومه مصر زار العديد من المعابد ، وكان يحلف بالإله ((آمون رع)) ، وقام بزبارة مدينة منف الدينية قرب القاهرة الحالية ، وقدم القرابين إلى وثنها الرئيسي ((بتاح)) وغيره من آلهة فرعية مساعدة.

نشأة العلاقة بين نبتة ومصر:
مـع بداية حكم الأسرة الخامسة عشر لمصر التي بدأت بعد عام 2214ق.م حدث وأن احتل الهكسوس (الرعاة العماليق) القادمين من جنوب آسيا .. احتل هؤلاء مصر وحكموا شعبها بالحديد والنار قرابة 614 عاما امتدت مابين أعوام 2214ق.م و 1600ق.م ..... وعرفت فترة حكمهم بعصر دول ثلاثة جكمت مصر هي الدولة الخامسة عشر ، و الدولة السادسة عشر و الدولة السابعة عشر ........
ويبدو انه كان هناك أخطاء ما تتعلق بأسلوب إدارة هؤلاء الرعاة الأجلاف للدولة وميلهم الدؤوب إلى حسم أمورها مع الشعب المصري بالسيف لاغير، وعلى نحو حدّ من قدرتهم على التغلغل وسط المجتمع المصري والتمازج معه ، وبالتالي غياب التفاعل والمعلومة التي تساعد على استئصال شافة المقاومة السرية التي قادها حثيثا أبناء ومن ثم احفاد الملوك المصريين، الذين اطاح بسلطانهم الهكسوس. فتسنى لهؤلاء الأحفاد الاحتماء في أقصى جنوب مصر ، والقدرة على تشكيل جيوش مقاومة صغيرة لمشاكسة الدولة الهكسوسية وإثارة الفتن والقلاقل لنظامها بين حين وآخر في جنوب مصر. وربما امتدت المقاومة إلى الشمال أحيانا أخرى... ويحسب لهذه المقاومة ان الوهن لم يعتريها طوال فترة حكم الهكسوس لمصر ، رغم أنها ظلت مقاومة محدودة ضعيفة التاثير من حيث حجم الخسائر البشرية التي يمكن تكبيدها للعدو المحتل..... وعلى نحو بدت فيه شبيهة في العصر الحالي بصواريخ قسّام حماس التي تثير الرعب وتمنع النوم وتقطع حبل الشخير اكثر مما تدمر وتقتل.
وعليه فقد كان تفضيل البعض الآخر من ابناء الملوك المصريين اللجوء إلى السودان، وإقامة ما يمكن تسميته بمخيمات مصرية متفرقة داخل السودان هو الذي ساهم في تنظيم وإذكاء جذوة اتقاد المقاومة المصرية المسلحة ضد الهكسوس. وعلى نحو مكنها في النهاية من بناء قوة عسكرية ضاربة بمساعدة من السودانيين مكنتهم من تحرير بلادهم فيما بعد بقيادة أحمس....
وتجدر الإشارة إلى مدينة ((أرقــو)) الحالية في شمال السودان ، كانت مركزا من مراكز اللجوء المصري داخل السودان على عهد الهكسوس ، وحيث لا تزال أرقو تحتفظ بمسحة فرعونية وطابع مصري على استحياء ، يتجلى في سنح وألوان واشكال سكانها الأصليين الذين فضل أجدادهم المصريين البقاء بها حتى بعد طرد الهكسوس من مصر .... وإن كنت اعتقد أن هؤلاء ربما كانوا نتاج تزاوج مصري من سودانيات ، فضلن فيما بعد البقاء في أوطانهن بعد عودة أزواجهن المصريين إلى ديارهم ، وبقي معهن العديد من أبنائهن وبناتهن على نسق ما نراه الآن في مدن التماس الحدودي والقبلي بين شمال وجنوب السودان ، من نتاج لزيجات مماثلة بين شماليين وجنوبيات يطلق عليهم في الجنوب مسمى ((الملكية)) ويتجاذبهم الولاء بين الطرفين .... وإن كانوا في معظمهم أكثر ميلا إلى أحضان امهاتهن واخوالهم في الجنوب دونا عن أعمامهم في السودان .. ولا غرابة في ذلك فـصرامة العـم وحصاره وكثرة تحقيقاته واسئلته طاردة ، وحضن الأم ودفئها وحنانها لا يقــاوم .... والخالة أم ، والخال والد كما يقال.

حكاية الملك المصري أحمس :
كان أحمـس من بين أولئك الأحفاد المشار إليهم آنفا من نسل الملوك المصرية الذين لجأؤا للسودان بعد عام 2214ق.م .... وهاهو يتقرب لبلاط ملوك نبتة ، ويفلح في الزواج من إحدى بنات ملوكها. وبذلك حصل على دعم لا محدود لتحقيق رغبته المتأصلة في طرد الهكسوس من مصر ... وقد تحقق له بالفعل ما سعى إليه وقام بطرد الهكسوس وتاسيس الأسرة الثامنة عشر (1600ق.م – 1380ق.م) كأول ملك مصري يحكم مصر بعد غياب دام 614 عام بالتمام والكمال شكل فيما بعد سابقة تاريخية لفترة استعمارية تعتبر من بين الأطول في العالم.
وقد شهدت العلاقة بين هذه المملكة المصرية ومملكة نبتة إزدهارا وحميمية خلال عهد الملك احمس ، ولكنها سرعان ما بدأت تتأزم بعد وصول الملك تحتمس الأول ثالث حكام الأسرة 18 إلى السلطة وكانت له حروب ومناوشات مع مملكة نبتة.... ثم هدأت الأحوال كثيرا على عهد الملكة حتشبسوت (خامس ملوك تلك الدولة في الترتيب) التي ما كانت ترى في الأطماع وإثارة الحروب مع جيرانها من منافع ، وبالتالي فقد ازدهرت في عهدها العلاقات التجارية والثقافية بين مصر والسودان.

الملك الدموي تحتمس الثالث:
وهــو الملك السادس في ترتيب الأسرة المصرية الثامنة عشر حيث استمر النزاع والحروب على عهده وبلغت أوجها مع مملكة نبتة ، وتعامل بشراسة ووحشية مع كل من وقع تحت يده من سكان المناطق الحدودية الشمالية المتاخمة لجنوب مملكته. وقد غـزا بنفسه اطراف مملكة نبتة وحرق فيها الأخضر واليابس ونهب المواشي والذهب والأموال والنفائس والمحاصيل ، وأسر الفتيات والأطفال .... وظل الحال على هذا المنوال حتى عهد ((حور محب)) آخر ملوك هذه الأسرة المصرية التي اسسها أحمس.

أسباب التوتر في العلاقات السودانية المصرية:
لا أحــد يعرف بالقطع الأسباب الرئيسية الحقيقية الكامنة وراء هذا التوتر في العلاقات بين مملكة نبتة و ملوك الأسر المصرية التي تعاقبت على حكم مصر بعد طرد الهكسوس .... وربما كان من الممكن إيجاد تفسير منطقي مقنع لو كان التوتر في العلاقات وهذا التعدد والتنوع في الحروب والمعارك مرده تصفية حسابات وانتقام .. ولكن المتواتر أن مملكة نبتة لم تكن على علاقة ودية أو تحالف سياسي مع ملوك الهكسوس ضد المصريين .. بل على العكس من ذلك تماما فإن العكس هو الذي كان حيث أوى السودان المقاومة المصرية للهكسوس وكان دمار الهكسوس إنطلاقا من السودان ....
ولكن التاريخ لا يشير كذلك إلى حدوث اية مناوشات تذكر بين ملوك نبتة وملوك الهكسكوس في مصر. بل على العكس من ذلك كانت التجارة مزدهرة وطرقها مفتوحة ، قد فرض كل طرف على الآخر جباية معلومة على القوافل التجارية التي تعبر حدود البلدين ، سواء تجارة السودان من ذهب وسن فيل وريش نعام وبخور وجلود وماشية إلى اسواق مصر و فلسطين والشام والجزيرة العربية . أو عبور المنتجات المصرية متمثلة في المنسوجات على نحو خاص عابرة أراضي مملكة نبتة من الشمال إلى الجنوب إلى داخل السودان وأفريقيا ، دون ان يعترضها ((قطّـاع طـرق قـومية)) ...... أو ((جباة ولايات ولصوص)).
وفي غياب الحاجة وقتها إلى تحديد حصص مياه النيل ؛ ربما كان الطمع في الثروات الطبيعية التي توفرت لمملكة نبتة من ذهب وعسل نحل ومواشي وريش نعام على نحو خاص ، هو أحد الأسباب التي توترت بسببها العلاقة بين مملكة نبتة وملوك الأسر المصرية التي تعاقبت على حكم مصر بعد زوال دولة الهكسوس ...... وقد يكون سبب التوتر والمناوشات المتعددة تلك مردها للخلاف بين الطرفين في تحديد مدى مسئولية مملكة نبتة في السيطرة على الحدود الشمالية لمملكتهم ومنع قطاع الطرق من بــدو الصحراء المنفلتين من مهاجمة صعيد مصر بغرض النهب والسلب ، أو السماح للمعارضين المصريين ومن بينهم الكهنة ورجال الدين اللجوء إلى السودان والاختباء فيه وتشكيلهم هاجسا أمنيا لا يستهان به لملوك مصر بالطبع ... وبالتالي كانت الحاجة إلى ((تدجين)) مملكة نبتة بوصفها لها سابقة في دخول جيوشها إلى مصر لمساعدة أحمس على طرد الهكسوس ، وعلى نحو شكل فيما بعد عبئا إستراتيجيا على سلامة الدولة المصرية من إمكانية تكرار هذا المسعى على يد مجموعة مصرية أخرى معارضة تتخذ من السودان قاعدة لها !!!؟ ... وتبقى كل التفسيرات والتصورات ممكنة في علاقة حساسة بين شعبين متجاورين....
ويبقى رغم كل ذلك حقيقة تاريخية واحدة ، أرجو أن يخضعها الاستراتيجي المصري للدراسة والتحليل ومن ثم الخروج بقناعات .... وهي أن مصر وعلى مر العصور لم يجري غزوها واحتلالها بواسطة أجنبي إلا من ناحية الشمال أو الشرق أو الغرب ..... ولكنها كذلك وبنفس القدر لم يجري تحريرها أو محاولة تحريرها من ربقة حكم اجنبي إلا من جهة الجنوب حيث السودان العظيم.

alt

دخول الملـك بعنخــي مصر :
خــلال فترة حكم الأسرة الثالثة والعشرين التي امتدت ما بين 980ق.م و 810ق.م كثرت الخلافات الداخلية وعم الوهن ربوع مصر وانفلت الأمن. وضعفت السلطة المركزية على نحو أدى إلى إنقسام مصر إلى 20 ولاية مستقلة عن بعضها، تتنازعها الأطماع والمكائد والمناوشات .... وكان لابد أن يحدث جراء ذلك فراغ سياسي وأمني في جنوب مصر مما أضطر فيه ملوك نبتة إلى ملء هذا الفراغ ، لأسباب أستراتيجة وتكتيكية لابد منها ولو إلى حين .
وظل الحال على ما هو عليه حتى عام 721 ق.م حيث تمكن أحد الأمراء المشواشيين الطموحين القادمين في الأصل من ليبيا ويدعى ((تفنخت)) من توحيد الولايات المصرية في الشمال تحت قبضته ، وأسس العائلة الحاكمة رقم 24 في مصر ، وزحف يريد بسط سلطتة على ما تبقى من إمارات مصرية في الصعيد والنوبة السفلى ، فتصدى له الملك بعنخي بعـد صبـر مثيـر للجـدل ، وجرت بين الطرفين مواقعة واحدة انتهت بانتصار جيوش بعنخي ودخوله مدينة ((منف)). ولكن بعنخي لم يؤثر التورط أكثر في مصر ، فعاد إلى عاصمته نبتة دون أن يحصد ثمار انتصاره في شكل احتلال مباشر لمصر.
وتجدر الإشارة إلى أن المشواش قبيلة ليبية يطلق عليهم أصحاب اللحى المدببة وكانوا من الضخامة بمكان وبارعين في استخدام السيوف ، وبالتالي المعارك التي تتطلب الالتحام المباشر مع العدو عكس جنود نبتة الذين كانوا بارعين أكثر في رمي المنجنيق والسهام . وكانوا يلقبون برمـاة الحـدق (العيون) حيث كانوا قادرين على خرق عيون أعدائهم بالسهام من على مسافات بعيدة ... وكان المشواش قد دخلوا مصر عن طريق الواحة الداخلة حيث استقروا هناك بداية ثم تنامت قوتهم مع مرور السنوات ، واستغلوا فترة التفكك والانحلال الذي عصف بالدولة المصرية فتقدموا إلى داخل مصر وسيطروا على شمالها بقيادة ((شيشنق الأول)) الذي حكم شمال مصر مابين عامي 950ق.م و 929ق.م وأسس الأسرة الحاكمة رقم 22
وفي حقيقة الأمر فإن التواجد النبتـي (إن صح التعبير) في النوبة السفلى وصعيد مصر، لم يكن يعد في الأصل بمثابة احتلال ، بل كان تواجد باهت على شكل تحالف ، ودعم عسكري لأمرائها وعلى رأسهم النمروذ أمير الأشمونيين ، الذي كان الحليف الرئيسي لنبتة حسب ما سيجري إثباته لاحقا. بل وكان تحالف النمروذ مع تفنخت هو القشة التي قصمت ظهر بعير صبر بعنخي على طموحات تفنخت ، وأدت إلى تدخله في مصر.
بالفعل كان الملك بعنخي في مراقبته عن كثب لتحركات تفنخت ، وكأنه يمد حبل الصبر إلى ما لانهاية ، أو كأنه لا يمانع فيما يجري. وكأنه كان يرى أن توحيد شمال ووسط مصر تحت سلطة ملك واحد قوي ، ربما كان أفضل استراتيجيا لمملكة نبتة بحسبان أن قوة مصر ستقف حجر عثرة أمام أية أطماع خارجية تأتي لها من الشرق والشمال ... وحيث أن الجيوش الغازية لمصر حتما ستمد عنقها بعد أن يستتب لها الأمر إلى النوبة العليا .. هكذا كانت ولا تزال جدلية التاريخ في وادي النيل وإلى عام 1898م تؤكد ذلك ، وحيث لم يتعرض السودان للغزو العسكري من القوى السوبـر إلا من جهة الشمال قادما عبر مصر ...
لقد كانت الوفود المصرية تترى على بلاط بعنخي في نبتة تتساءل عن حياده واسباب صبره على تفنخت ............... !!!
والمشاهد ان الملك بعنخي ظل على هدوئه وصبره يرقب تحركات تفنخت إلى ان حدث ما أعتقد انه شكل لديه تهديدا استراتيجيا خطيرا لطبيعة اللعبة السياسية في صعيد مصر المتاخمة لأرض النوبة السفلى ، ذلك ان ملك الأشمونيين في تلك الفترة وكان إسمه ((النمروذ)) ، وبعد أن كان على عداء ومقاومة شرسة مع تفنخت وعائقا له أمام زحفه نحو الجنوب ؛ إذا بالنمروذ وبعد استيلاء الملك تفنخت على مدينة منف الدينية وزحفه نحو عاصمة وقرى الأشمونيين يخاف العاقبة ويرضى بعرض تفنخت له تشكيل تحالف عسكري وسياسي معه ، أقر فيه تفنخت النمروذ على ملكه ومنحه منطقة أهناس الجنوبية زيادة له في رقعة أرضه ....
كان الأشمونيون من مواطني صعيد مصر . ولهم مملكة صغيرة ويعبدون حصانا من نحاس يضعونه على مدخل مدينتهم ولهم كذلك شجرة لبخ ضخمة يقدسونها وإسمها ((بيرسـا)) .... ويقال أن شيطانا (والعياذ بالله) كان يسكنها وانهم كانوا يتخذون من أوراقها وثمارها شفاءا لهم من بعض الأمراض.

أسباب تدخل الملك بعنخي في مشاكل مصر:
حسـب ما وجد منقوشا وموثقا على حجر بمدينة نبتة ونقل فيما بعد إلى المتحف المصري بالقاهرة أبان احتلال التركية السابقة للسودان ، فقد كتب بعنخي قصة انتصاره على الملك تفنخت واكتفي هنا بنقل بعض اهم ما جاء فيها فيما يتعلق ببداية تدخله لحسم امر هذا الملك:
((في غرة توت من السنة الحادية والعشرين من حكم ملك الوجه القبلي والبحري بعنخي ميامون ..... بلغني أن الملك تفنخت استولى على مدينة منف وغيرها من المدن المصرية الشمالية وسار نحو الجنوب بجيش جرار فأطاعته الأمراء وأعيان البلاد وصاروا تحت رجليه أذلة كالكلاب حتى وصل إلى أهناس الجنوبية فحصرها حصارا شديدا ودام على قتالها حتى فتحها. وكان الأمراء يبعثون إلي بالرسل يسألون عن سبب قعودي عن تفنخت وعدم المدافعة عن الوجه القبلي وقالوا أن النمروذ رئيس الأشمونيين هدم حصون نقروس ودمرها مخافة أن يأخذها تفنخت والتجأ إلى مدينة أخرى واقتفى تفنخت أثره فاضطر إلى الخروج عن حزبي والانضمام إليه فغمره بأنعامه وأعطاه أهناس الجنوبية . فعند ذلك أرسلت إلى قوادي الذين في ثيبة (الأقصر حاليا) وغيرها من بلاد مصر أن يستعدوا لقتاله ....... ))

قالوا سمح القول عن خشيم سيدو:
هذا مثل سوداني محلي معناه أن الحديث يحلو عندما يخرج من فم صاحبه ......

وعلى أية حال فربما أكون كالمغرد خارج السرب أو قد لأ أكون ... ولكن المشار إليه أعلاه والذي جاء على ((لسـان)) بعنخي نفسه ولا يزال منقوشا على الحجر ، يوضح على نحو لا يقبل الشك أو المواربة ، أن خروج النمروذ عن حزب و حلف بعنخي كان بالفعل هو السبب الرئيسي في تدخل بعنخي للدفاع عن بقاء هذا الحلف بتقليم أظافر تفنخت ، بوصفه قد تجاوز حدود اللعبة في ذلك العهد ووفق معطياته الاستراتيجية وتبعاته السياسية ....
وربما تكون هناك أسباب أخرى مرتبطة بإهمال تفنخت للجانب الديني ، وعدم رعايته لمعابد الآلهة المتعددة في ذلك العهد ، لاسيما وإننا نراه وهو في أوج ضعفه وعرضه الاستسلام لبعنخي يتحدث عن ((معبودين)) فقط ويتجنب الحديث عن ((الآلهة)) ... فهو يذكر معبوده هو معبود الشمال ((مونت)) ... ثم وخضوعا للهزيمة يشيد بمعبود الجنوب ((نبتا)).... ووراء هذه الصياغة ما وراءها في عرف الساسة ودواوين وبروتوكولات الملوك.
ومن ناحية أخرى لابد أن نأخذ في الاعتبار النزعة الدينية القوية لدى بعنخي على نحو خاص ، ولدى الشعبين السوداني والمصري على نحو عام ، وحيث كان بعنخي يحرص دائما على إبداء نزعته الدينية هذه . ويشفعها عمليا بكثرة تردده على زيارة المعابد في نبتة ومصر العليا لاسيما معابد مدينة الأقصر التي كانت تحت إدارة وحكم نبتة ، وترسيم الكهنة له باعتباره إبنا للمعبود ..... ولا ننسى بالطبع أهمية الثقل المعنوي الذي كان يشكله الكهنة والسدنة ورجال الدين وسط عامة الشعب ، وحيث كان أي خلاف ((جذري)) بين هؤلاء الكهنة والملك فيما يتعلق بتغيير العقيدة أو تقليص الميزانية ، عادة ما ينتهي بموت الملك بخنجر مسموم مغروس على ظهره غيلة وغدرا ... أو بتناوله طعام أو نبيذ أو شراب مسموم .....
ولا مناص من الذهاب إلى الاعتقاد بأنه كان للكهنة أيضا دور مهم في تحريض بعنخي على إيقاف تفنخت عند حدّه أو على نحو يحفظ مصالحهم ومكانتهم الدينية المهددة.

لقد ذهب البعض في السودان ولا يزال إلى القول ، بأن بعنخي ((غـزا)) مصر ، وكأنه يهدف من وراء ذلك إلى ((التوسع وتحقيق أطماع)) ... وهذا غير صحيح ....

وقد ذهب البعض كذلك إلى القول بأن بعنخي ((غــزا)) مصر لأن ملكا من ملوكها ((أساء للخيول)) ... وهذا غير منطقي .... وما هكذا ينفق ويهدر ملوكا بحكمة بعنخي ثروات شعوبهم ويستنزفون دماء شبابها.

وتساءل البعض الآخر بنفس القدر : لماذا ترك بعنخي مصر وعاد إلى حضن عاصمته نبتة دون أن يترك خلفه ((واليا)) .. أو (( حاكم عـام )) سوداني لحكم مصر ، على نسق ما فعلت التركية السابقة في السودان بعد احتلاله عام 1821م ثم الحكم الثنائي بعد عام 1898م ؟!

تعليمات الملك بعنخي لقادته العسكريين:
وتتلخص هذه التعليمات والوصايا كالآتي:
1) عدم مهاجمة تفنخت ليلا هجوم الخادعين بل مهاجمته متى رأوا أنه أعد جيوشه وخيله وسار لقتالهم.
2) أن إقامة العدل الإلهي هو الأساس الذي تدخل فيه الجيوش المعركة وليس مجرد الأطماع في الأموال والسلب والسبايا.
3) وجوب الخضوع للمعبود وتطهير الجسم والملابس عند دخول المعابد الدينية .... أو بمعنى آخر احترام العقيدة وعدم تخريب دور العبادة.
4) تعظيم المعابد الدينية وعدم دخولها حاملين السلاح والحرص عند دخولها بارتداء ملابس زاهية غالية على نسق ملابس الأعياد.
5) الاستعانة بالمعبود الإله في المكره والمنشط وطلب النصر منه.

كان سيدا على الملوك ... وعابدا لكل الآلهة:
من الواضح أن الوازع الديني لدى الملك بعنخي كان قويا وكان يشغله كثيرا وعلى نحو أنه حين جاءه خبر لجوء حليفه السابق ((النمروذ)) إلى مدينة أرمنت وتحصنه فيها اشتد غضبه وأقسم أن يتولى قيادة الجيوش بنفسه بعد أن يحتفل بأعياد رأس السنة في معبد جبل البركل وتقديم القرابين لمعبوده آمون .. وما أن حل اليوم التاسع من شهر توت المشار إليه في بداية روايتة المنقوشة على الحجر ؛ حتى كان بعنخي ومن معه من الجيوش قد وصلوا إلى الأقصر وأكملوا فيها احتفالهم السنوي بمعبودهم آمون. ثم توجه بعنخي إلى أرمنت حيث يتحصن النمروذ وقام بتشديد الحصار على المدينة ورماها بالمنجنيق لمدة ثلاثة أيام متواصلة ، دفع على إثرها النمروذ لطلب الصفح والغفران من بعنخي ، وبادر بإرسال زوجته وبناته وأخواته وحريم عائلته إلى إحدى زوجات الملك بعنخي مشفوعات بالهدايا الثمينة لها (كان بعنخي متزوج من أربع نساء) للتوسط لديها في الحصول على عفو الملك ، فسجدت زوجة النمروذ وبناته وأخواته وحريمه أمام زوجة بعنخي طالبات الصفح للملك النمروذ ... وكان لهن ما جئن له وبعث الملك بعنخي الى النمروذ للحضور ومقابلته ، فحضر النمروذ وأبدى من علامات الندم وكلمات الاعتذار فبادره الملك بعنخي بقوله:
- لقد سددت طريق الحياة على نفسك يا نمروذ.
فقال النمروذ:
- لو صعدت إلى السماء كالسهم لأدركتني. كيف لا وقد أخضعت بلاد الجنوب وأطاعتك بلاد الشمال فهل لنا أن نستظل بظلك ، فقد أفنى بأسك جميع رجالنا.
ثم خرّ النمروذ ساجدا أمام الملك بعنخي وقال له:
- أنا أحد عبيدك الذين يدفعون الجزية لخزينتك فاحسب ما تجمع من عبيدك كلهم وخذ مني جزية تزيد على مجموع جزيتهم.

لسنا في معرض سرد حصاد المعارك:
ثـم مضى الملك بعنخي في طريقه شمالا يريد تفنخت ، فكان الملوك والأمراء والعامة يخرجون إليه بالورود والرياحين يحملون الهدايا وأموال الجزية تعبيرا عن الولاء والخضوع .... وبالجملة فقد خضعت له مصر من الشلال الأول جنوبا إلى المصب شمالا ... ولسنا هنا في مدارج الحماسة لوصف معارك النصر وحساب الأرباح والخسائر. فهذا ليس بالحصاد الذي ينشده السوداني في علاقته بالمصري منذ فجر التاريخ ... وكذلك لقناعتنا التي لا يرقى إليها شك في أن بعنخي ، ومن بعده سباقون ثم ترهاقا لم يكن هدفهم الاستراتيجي احتلال مصر ، بقدر ما كان رفع الظلم عن كاهل أهلها وإعادة الأمور إلى نصابها ، وفق معادلة التعايش السلمي على امتداد هذا الشريان المائي الحساس الذي يجري وتعدو معه الحياة وسط وادي ضيق... وحيث كانت هذه المعادلات عادة ما تختل إثـر كل احتلال أجنبي لمصر.... واضعين في الاعتبار حقيقة تاريخية لا مراء فيها وهي أن كل احتلال أجنبي جرى للسودان ، كان قادما من إتجاه الشمال بعد احتلاله لمصر.

حكاية الخيول :
سبق وأن ذكرت أن البعض في السودان يذهب إلى القول بأن سبب دخول بعنخي مصر كان إساءة ملك من ملوكها للخيول ... وفي حقيقة الأمر أن الرواية التي جاءت على لسان بعنخي، المنقوشة في حجر نبتة الموجود حاليا بالقاهرة تفيد بعكس ذلك تماما . ذلك أن الرواية تقول أن الملك بعنخي بعد أن قبل استسلام واعتذار النمروذ له ، توجه إلى قصر النمروذ وطاف في أروقته وحجراته ، ثم جاءته محظيات الملك والجواري الحسان النواعم الكواعب الأتراب خاضعات منبهرات لوهج قوته وعظمته، وراغبات غير متمنعات يرتمين ذليلات تحت قدميه ولسان حالهن يردد: ((هيت لك)) ولم تغلق الأبواب بعد ..... فلم يلتفت بعنخي إليهن ...
كان بعنخي صاحب مبدأ وحامل رسالة وذو همة عالية رفيعة ، وسمو روحي يتفوق على مجرد الانشغال بملذّات المشروب والمركوب وتحسس الغض وتلمّس البض، ولثم الخدود ورشف رحيق الشفاه ، وضم القدود والكشح الهضيم وإشباع اللذات الحسية على نحو شهواني فوق أنثى ؛ دون علاقة عاطفية متبادلة محرّضة ......
وبدلا من التوجه للسهر وسط ربات الحجول فوق السرر المرفوعة والأباريق والأكواب الموضوعة في المخادع والمضاجع كعادة من أسكرته نشوة النصر من الملوك والحكام ، توجه بعنخي بنفسه مباشرة يتفقد اسطبلات الخيول في قصر النمروذ ، فوجدها جائعة بلا علف ، فغضب وقال موجها كلامه للنمروذ:
- إن إجاعة خيولي هي أقبح ذنب جنيته أيها النمروذ.
فقال النمروذ:
- لا تغير قلبك بالغضب أيها الملك ، فإني سأخبر سيد الخدم بغضبك وأعـد العلف لخيولك.

لم يكن تفقد الخيول رغبة من بعنخي في إشباع هواية ركوب الخيل وإعدادها لرهانات السباق أوممارسة رياضة البولو .... ولكنها جاءت جزءا من تفقد القائد الأعلى لجهوزية قيادة كتيبة من سلاح المدرعات بمقاييس هذا الزمان .... ولم لا ينشغـل قائد ملهم مثل بعنخي بهذا في زمن الحرب خاصة ، وقد إنشغل قبله نبي عظيم مؤيد من السماء هو سليمان بن داود عليهما السلام باستعراض الصافنات الجياد حتى توارت بالحجاب؟؟
كانت هذه إذن ؛ كل الحقيقة فيما يتعلق بحكاية الخيول .. وسنظل نظلم ملكا عظيما من ملوكنا ، لو استمر بعضنا في ابتسار مجد هذا الملك العفيف عبر التمسك بالقول أن بعنخي جرّد الجيوش لغزو مصر لمجرد إسـاءة حاكم بهـا للخيـول.
أو ربما كان البعض هؤلاء قد إنساقوا منبهرين خلف خطوط الموضة الإنسانية الحديثة الجوفاء رغم جاذبيتها، والتي تتزعم حفلات الاستقبال والكوكتيل فيها بعض زوجات أثرياء الغرب ، والقواعد المتهالكات من نجمات هوليود السابقات.. ثم باتت الآن تغزو دول العالم الثالث (على غرار إنجرار البعض خلف مدافعات جانبية من قبيل ((الإشتراكية في الإسلام)) أبان سطوة الاتحاد السوفيتي على الفكر العربي بعد نكسة يونيو 1967م ، ثم ((الإعجاز العلمي في القرآن)) خلال العقدين الأخيرين من سنوات القرن الماضي) ....
وعليه فقد تخيّل أصحاب فكرة الخيول ، أنهم بذلك يعطون إنطباعا بالحداثة في مدحهم وإطرائهم لمليكهم التاريخي ، وإشباعا ذاتيا بأن بعنخي كان من بين رواد ((جمعية حقوق الحيوان)) ... هذه الجمعية التي نشأت في الغرب كما أشرنا ، والمثيرة للجدل في حقيقة نواياها المبيتة خلف الستار نسبة لتوجهاتها الصليبية والأنجليكانية الواضحة من جهة ... وبسبب أن جـل إهتمام منتسباتها المشـار إليهن ينصب على فئة ((الذكـور من كلاب الـوولف)).

... وكان عابدا لكل آلهة وادي النيل
كان بعنخي على ما يبدو على قناعة بأن أرض مصر هي بمثابة ((الأراضي المقدسة)) بمفاهيم هذا الزمان .... ولأجل ذلك لم يخلو تدخله العسكري في مصر بهدف إرساء دعائم الاستقرار في وادي النيل .. لم يخلو من مسحات دينية واضحة المعالم قام خلالها باداء مناسك ((الحج)) والزيارة لكل معابد مصر، وعلى نحو يرضي به كل الآلهة المتعددة حسب ديانة وقناعات ذلك الزمان ، في هذا المكان من وادي النيل الممتد من جبال الحيشة جنوبا وحتى المصب شمالا.
وعلى سبيل المثال كان االنمروذ قد أهدى لخزينة بعنخي مقدارا عظيما من الذهب والفضة والجواهر والخيول ، وذكر خلال مقابلته له أن هذه الأموال بمثابة جزية يدفعها له .... ولكن بعنخي لم يكن في حاجة للذهب والفضة والجواهر، وهو القادم من أرضها. فأمر بإهداء هذه الأموال إلى خزينة معبد آمون رع في الأقصر.
وقبل اهتمامه بحقوق الحيوان كان بعنخي أكثر اهتماما بحقوق الإنسان ودون كيل بمكيالين ... فلم يعرف عن بعنخي أنه قتل واحدا أو أكثر من أهالي المدن التي اخضعها ... وان جل القتلى كانوا من العسكريين المقاتلة الذين وقفوا في طريقه وخاضوا معارك ميدانية ضد جيشه . وقد كان بعنخي حريصا على منع قادته من ممارسة أي نوع من أعمال الانتقام والنهب والسلب والاغتصاب ضد الأسارى والأهالي ، وعلى نحو كان عادة مايحدث في أحوال أخرى مماثلة ، وبمباركة أو غض طرف من القيادة العليا بعد وقوع كل مدينة محاصرة بالقوة في قبضة محاصريها منذ فجر التاريخ وإلى الآن ..... وما نحن بما جرى في كوسوفو على يد الصرب أو ما يجري في فلسطين على يد اليهود ، وفي العراق بعد احتلاله على يد الأمريكان بالصـم والبكــم أو العـمـايـا.
وقد حرص بعنخي على زيارة كافة المعابد الدينية المقدسة في ذلك الزمان ، والدخول للصلاة وتقديم الهدايا والقرابين والجلوس إلى الكهنة والسدنة. بل كان عادة ما يرسل الوفود أمامه تفاوض أول ماتفاوض على إخلاء الطريق لموكب بعنخي لزيارة المعبد والصلاة وتقديم القرابين ....
جاءه ملك أهناس بهدايا من ذهب وفضة وجواهر وأحجار كريمة وخيول مطهمة ، فقبلها ومنح الأموال إلى معبد ((بتاح)) وكافة اوثان ((منف)) .... وأقام الصلاة في معبد ((شيتي)) وإلى الإله ((سوكاري)) ..... وأعلن هناك أنه قد عفا عن الجميع ما عدا الطغاة .. ونهى عن قتل وسلب المدنيين أو من يستسلم من القادة والرؤساء والعسكريين. وأقسم انه لن يقتل إلا من أغضب المعبود .... ففتحت بيوت الخائفين أبوابها ، وخرجت على إثر ذلك الجموع من شعب مصر تترى دون خوف. ونشط الجميع خلف أرزاقهم ، ودارت عجلة الانتاج والبذر والحصاد ، وقد باتوا يجدون الإطمئنان وينعمون بالسـلام .... وهو لا شك كان على دراية تامة بأن تعدد دورة الانتاج الزراعي في مصر خلال الموسم الواحد (على عكس السودان) لا تحتمل التأخير في البذر والحصاد وإعداد الأرض للمحصول التالي...... ولأجل ذلك بادر إلى إشاعة الإطمئنان وسط أفراد شعبها من ملاك الأراضي والفلاحين تلافيا لما قد يهدد مصر من مجاعات.
ومضى بعنخي في طريقه نحو شمال مصر على هذا المنوال ، يشيع السلام ويشدد على الاستقرار. ويغمر المعابد بالهدايا والقرابين حتى وصل إلى ((معبد الشمس)) وقد أصبح ضمن ضواحي القاهرة حاليا ، فصلى الملك بعنخي هناك مرتين وأقيمت لأجله لاحقا ((صلاة الباب)) ، وهي صلاة خاصة يؤمها كبار الكهنة ، وادخل بعدها إلى مقام الإله ((رع)) حيث شاهد السفينة المقدسة وأطل من الكوّة المخصصة فشاهد الشمس في ضريحها .... ثم خرج بعنخي من المقام وأمر بإغلاق الباب وختمه بختمه الملكي. وأمر الكهنة أن لا يفض أحد ختمه ولا يسمح لأحد بدخول المقام تبجيلا له وحفاظا على حرمة الدين بمفاهيم جاهلية العقيدة في ذلك الزمان والمكان.... وارتحل بعنخي إلى معبد ((توم)) حيث أدى فيه الصلاة كذلك. وواصل بعنخي سفره في مدن الوجه البحري والدلتا ، يزور معابد آلهتها ... يحي الطقوس الدينية الخاصة بها ويكسو الأضرحة ويقدم القرابين ويطعم الجوعى ، ويهدي كل ما يجري تقديمه له من جزى إلى المعابد ، بغرض تعميرها وصيانتها والإنفاق على متطلباتها ومتطلبات ومنصرفات الكهنة والحراس والقائمين على أمرها من بخور ومأكل وملبس وغير ذلك .....
وهكذا نرى أن الأمر لم يكن غزوا كما يشيع البعض ، ولكنها كانت بركة ونعمة وأعياد ، شملت كل مصر عم فيها الخير على يدي بعنخي وشمل السلام والاستقرار الربوع.

alt

من آثار الحضارة السودانية

بعنخي يحقق لمصر الاستقرار الذي جاء من أجله :
ربما كان للقوة السوبر التي يمتلكها بعنخي في شكل إدارة خلاّقة ، وموارد ضخمة مستغلة واقتصاد مزدهر وجبهة داخلية متماسكة ، وجيش جرار مدرب ومؤهل على أقصى درجة من الاحترافية ، سببا في إقناع أمراء المدن المصرية بان لا سبيل لمقاومته ... ثم ان بعنخي كان يمد يديه بالسلام لكل أمير منهم . ولم يكن في حقيقة الأمر يضمر غضبا سوى على حليفه السابق النمروذ ، جراء نقضه للحلف من جانب واحد ، وخيانته للعهد والصداقة التي ربطت بينهما ... ولم يكن يبدي شكوكا سوى لنوايا تفنخت .... وكان بعنخي يسعى كذلك حثيثا لإرساء دعائم العدل في أرجاء وادي النيل على نحو عام، ليتفرغ الشعب للانتاج والعبادة التي كان يوليها اهتماما بالغا كما هو واضح من سيرته ... ولأجل ذلك فقد تلمس في سياسة تفنخت الطموحة الكثير من المخاطر التي قد تحدق بهذا المسعى الذي كان يرتجي فيه الخير لمصر وينسحب ذلك على نبتة بطبيعة الحال ....
لقد كان تفنخت ذكيا ولكنه لم يكن شجاعا ولا شهما أو صاحب رسالة عامة ومبدأ قومي ثابت على استعداد للتضحية بنفسه من أجله ... كان واحدا من أولئك الملوك والقادة الذين لا يمثلون سوى قبيلتهم ولا يعملون إلا من أجل تحقيق مصالحها وحدها ولسان حاله يردد : ونشرب إن وردنا الماء صفوا ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
بل وكان من اولئك الذين ولا يعبدون سوى القوة ... فيبطش بها إن كانت له ويستكين لها وينشد العفو والمغفرة إن كانت عليه ... فترك جيشه في منف ثم ركب جواده وهرب لاجئا إلى عقر داره في الشمال ، بعد أن أوصى قادته بالثبات أمام بعنخي الذي كان على راس جيوشه في ميدان المعارك !!! فكان لزاما على هكذا جيش أن يخشى المواجهة ويميل للتشتت والهزيمة والخذلان ساعة اختراق بعنخي لحصون وأسوار منف التي كان جيش تفنخت قد تحصن داخلها.....
ورغم كل ما أثاره تفنخت سابقا وحاضرا من تصرفات وطغيان فإن بعنخي لم يتعامل معه كعدو شخصي ... ولكن جل ما كان يخشاه بعنخي هو أن تقع مصر باكملها فريسة لملك يحتل موقع القطب الواحد بمثل هذه القيم والمثل والمفاهيم فيضيع امرها ويسودها الطغيان والقتل من كافة جوانبها ... ولأجل ذلك ؛ فإن لم يكن من بقاء تفنخت بد؛ فلا مناص من قص شواربه وتقليم أظافره ..... فمصر بلد زراعي يلزمه الاستقرار في المقام الأول، وحكمها بذهب المعز خير من حكمها بسيفه ..... ومجالها الحيوي في حقيقة الأمر عبارة عن شريط ضيق يحيط بجانبي شريان مائي ينبع بعيدا عنها بمسافات خرافية .... وهي ببراعة الوصف القرآني الكريم ليست سوى أرض جرز ساق الله عز وجل الماء إليها في آية من آياته الكريمة ، وفضل منه وإحسان ونعمة لا تخفى على العقل.... ووراء كل ذلك ليس سوى الصحراء القاحلة حيث لا ملجأ ولا مهرب إذا وضع السيف فوق الرقاب ...
وعلى نحو كهذا فإن هيمنة قطب أحادي طاغية مثل تفنخت على مقادير شعبها سيكون مدمرا لها ومهدد لاستقرار نبتة في الجنوب على حد سواء ...
ولكن الواقع ايضا كان يفيد بأن تفنخت ليس سهلا ، فهو يمتلك اقتصادا زراعيا قويا ومياه وافرة ويهيمن على شبكة معقدة من شبكات الري ، ولديه جيش بلغ تعداده مئات الآلاف. ...... وأن القضاء عليه يستلزم القضاء على كافة المشواشيين الذين ليس لديهم ما يتحصنون به بوصفهم أجانب قادمين من ليبيا ... ليس لديهم سوى بعضهم البعض يلوذون به .. أو بمعنى آخر فإنه لم يكن لديهم مجال حيوي في مصر يلجأؤن إليه ويتفرقون في خلاله .... وبينهم وبين موطنهم الأصلي في ليبيا الصحراء وآلاف الأميال وسنوات طويلة من الإغتراب والهجرة لاشك أنها قطعت جذورهم وعلاقتهم باصولهم .... وعليه فلا مناص في حالة المواجهة العسكرية إلا من أمر واحد هو كسر بيضتهم وإستئصال شافتهم وإبادتهم من على وجه ارض مصر تماما .... وتحويل من تبقى من أطفالهم ونسائهم إلى عبيد وإماء وجواري ومحظيات ...
ولكن هذا الخيار لم يكن من خيارات بعنخي. وهو كما راينا حريص على دينه وإرضاء آلهته ونظافة كفيه من دماء الأبرياء أو من استسلم وابدى الخضوع واستكان... ثم هو صاحب مبدأ وقيم ومثل معلنة في مجال الحق والعدل والشرف والرجولة لا يحيد عنها.
كانت في البساط معادلة صعبة ، وخيارات اصعب تزاحمت أمام فكر وعقل وتفكير بعنخي ... وربما كان بعنخي محظوظا حين أسعفه تفنخت بالحل الذي كان يرتجيه ، بإحلال السلام دون خوض حرب يتعرض فيها المشواشيين إلى الإبادة الجماعية على يديه فيتلطخ سيفه بدمائهم .......
ولأجل ذلك لم يكن بعنخي حين أعلن امام ابواب مدينة ((منف)) أنه لم ياتي إلا ن اجل تحقيق السلام في ربوع مصر .... وأنه لن يسئ إلى أحد .... وأنه لن يعاقب إلا من طغى .... ولن يقتل إلا من أغضب المعبود ....... لم يكن يزايد أو يشيع كلمات جوفاء بغرض الاستهلاك المحلي
كان بعنخي يعني ما يقول .... ويرغب في أن تصل رسالته تلك إلى الجميع وعلى راسهم تفنخت .....
ووصلت الرسالة بالفعل إلى تفنخت. فأرسل إلى بعنخي يعرض الاستسلام دون شروط ويعلن الخضوع .... وكانت فحوى رسالته إلى بعنخي كالآتي:
((أكظم غيظك أيها الملك الظافر فإني وجل من رؤيتك ولا طاقة لي على حربك وقد امتلأ قلبي رعبا منك لأنك كمعبود الجنوب ""نبتا"" وكمعبود الشمال ""مونت"" وأنت الموصوف بالثور المنصور. إن أردت شيئا لا يعارضك فيه احد وقد بلغت الآن جزائر البحر وأقمت في حمى المعبودة ""نيت"" فرارا من سطوتك وخشية من تعنيفك الموجع وتوبيخك المؤلم فأنا الخادم وأنت السيد . أفلا يعفو السيد عن خادمه؟ خذ لخزانتك كل ما املكه من ذهب وحجارة نفيسة وخذ أجود ما عندي من الخيول والسروج . وابعث برسول من قبلك ليزيل الرعب من قلبي ، فاذهب معه إلى المعبود واحلف يمين الطاعة أمامه))
.... فكان سرور الملك بعنخي بذلك لا يدانيه سرور وغبطة ، فلم يتلكأ ولم ينتظر بل اسرع بإرسال كاهن معبد الشمس الأكبر والقائد العام للجيش إلى تفنخت ، فأعطاهما تفنخت ما وعد به من جزية وذهب معهما إلى معبود الشمال ((مونت)) فأعلن التوبة ، وأقسم يمينا مقدسة بولائه للملك بعنخي . فقبل الملك بعنخي توبة تفنخت وعفا عنه ورضي باستلام الجزية منه. وأقرّه على ملكه في شمال مصر. وجعله نائبا له في مصر.
وعلى إثر ذلك جاءت الوفود والأمراء تترى على مقر الملك بعنخي من كل انحاء مصر فاستقبلهم جميعا. وكان قد امر بإدخال الملك النمروذ عليه وحده أولا . وجعل بقية الأمراء بمن فيهم تفنخت ينتظرون واقفين على أرجلهم في الخارج . ثم أدخلهم بعد أن قرّب إليه الملك النمروذ وأجلسه قريبا منه للدلالة على اهميته الاستراتيجية لديه ، وليدرك باقي الأمراء بمن فيهم تفنخت أن لا مجال لأحلام السلطة والمساومة واللعب بالنار على تخوم ومناطق تماس الحدود الشمالية لمملكة نبتة.

عــودة بعنخي للسودان :
كان وداع الشعب المصري وهو يهتف على طول الطريق الذي اتخذه الملك في عودته استفتاءا شعبيا لا تنقصه الشفافية ، حول التأييد المنقطع النظير للسياسة التي اتبعها بعنخي، في معالجته لعوامل عدم الاستقرار التي سادت مصر في تلك الفترة التي عاصرت سنوات ملكه .... وحيث لم يكن التشرذم وحده هو المشكلة ولكن كان لهذا التشرذم ذيول أخرى خطيرة ، أهمها إهمال الجانب الديني وعلى نحو لم تعد فيه المعابد وأوثانها التقليدية تحظى بدعم الحكام المالي ، فأصبحت خرابات ينعق فيها البوم. وبات الكهنة والسدنة يتضورون جوعا ..... وجاء حضور بعنخي إلى مصر بمثابة الزيارة التي أعادت الروح إلى هذه المعابد ومعبوداتها وطاقهما الكهنوتي، فأعاد بذلك اللحمة إلى المجتمع المصري من جديد.
وفي واقع الأمر فإن مصر تظل مدينة لبعنخي ، لأنه عمل جاهدا على إعادة الاستقرار إلى ربوعها ، واجتهد للحيلولة دون تفكك النسيج الاجتماعي بها ... وهو وإن كان قد فرض نفسه كمرجعية لكل الأمراء ، إلا أنه ترك هؤلاء على حكم ولاياتهم ومدنهم دون تغيير بمن فيهم تفنخت ، الذي ظل على عهده ويمين الولاء الذي قطعه لبعنخي حتى وفاته.
ومهما قيل ويقال فإن التاريخ لابد أن يحفظ لبعنخي أنه الملك والقائد الأجنبي الوحيد الذي دخل بجيشه بلادا فاستقبله شعبها بالورود والرياحين ، ثم غادرها عائدا إلى وطنه وقد خرج شعبها بكل عفوية وصدق يودعه ويحي موكبه على جانبي الطريق ، وعلى ضفاف النيل العظيم وهو يهتف بكل الصدق والعرفان بالجميل ويغني له الأناشيد والأهازيج مرددا:
((أيها الملك المنصور بعنخي . لقد أتيت وحكمت الوجه البحري وصيّرت رجاله أذلة كالنساء وحل الفرح في قلب أمك التي ولدتك فصرت شهما. وأعطاك ((آمون)) جوهره ، فبشرى لك أيتها البقرة التي ولدت ثورا كان له على ممر الازدهار ذكر مخلد وملك مؤيد ألا وهو الملك بعنخي الملك ا

عبدالله كوليام..أول مسلم بريطاني

                                                   alt                        

اعداد:الدكتور صالح بن مهدي السامرائي

عبد الله كوليام أول مسلم بريطانى هداه الله للإسلام  فحدود 1886 حينما زار المغرب عاد إلى بلده فى مدينة ليفربول وبدأ يدعوا إلى الإسلام وأصدر جريدة الهلال (Crescent) ومجلة العالم الإسلامي ( Islamic world ) وذلك لمدة عشر سنوات .

دعا عبد الله كوليام قومه إلى دين الإسلام مواجها أكبر دولة فى العالم فى زمانه(بريطانيا)التى لا تغيب عنها الشمس وواجه نفس التحديات التى لقيها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أسلم على يديه ستمائة إنجليزى من علية القوم برلمانيون وأساتذة ومثقفون وغيرهم كثير أنعم عليه المرحوم السلطان عبدالحميد لقب شيخ الإسلام فى الجزر البريطانية وأيرلاندا وفى أحد زياراته الإسطنبول إلتقى به صحافى يابانى وأسلم على يديه وتسمى عبدالحليم نوده وبذلك يسلم أول مسلم يابانى على يد أول مسلم إنجليزى عام 1898.

بنى عبدالله كوليام أول مسجد فى بريطانيا فى مدينة ليفربول وألحق به معهد ومدرسة لأطفال المسلمين ومركز لرعاية الأيتام.

لسبب او آخر وبعد إلغاء الخلافة ضعف أمر عبدالله كوليام وتنقل لعدة أماكن وبعد وفاته ترك المسجد وآل أمره إلى بلدية ليفربول واتخذته مقرا لسجلات الأحوال المدنية أخيرا طالب مسلمو ليفربول باستعادة المسجد وملحقاته فوافقت البلدية على ذك على أن يثبتوا مقدرتهم فى إعادة البناء زرهم عدة مرات وتعاونت معهم فى وضع المخططات اللازمة وتسويق المشروع للأمة الإسلامية لكى يصبح هذا المسجد والمركز معلما حضاريا وثقافيا لعموم بريطانيا ويزوره طلاب المدارس والجامعات من جميع أنحاء البلاد وتتاح لهم الفرصة للتعرف على مبادئ الإيلام وحضارته .

كما قمت بتصوير جميع أعداد الهلال والعالم الإسلامى وعملت نسخ منها كل نسخة تحتوى على أربع كارتونات ووزعت العديد منها على بضعة مراكز إسلامية وجامعات فى بريطانيا بهدف إظهار أن أصل المسلمين فى بريطانيا ليسو عربا ولاهنودا ولا غير ذلك وإنما هم إنجليز أقحاح والمقالات المرفقة تحكى جزءا من قصة إسلام عبدالله كوليام وظروف الدعوة التى قام بها.

مجلة الفتح
القاهرة: 2 أغسطس سنة 1928 م

زارنا في إدارة جريدة الفتح حضرت العالم الفاضل الشهير الشيخ عبد لله بك كوليام ، وهو أول رجل انجليزي دخل في الإسلام ودعا قومه إليه منذ ثنين وأربعين عاماً .

( ولد سنة 1856 وأسلم سنة 1887 ) وفي سنة 1889 ألف في الدعوة إلى الإسلام وبيان عقائده الطاهرة كتابه المشهور ( العقيدة الإسلامية ) الذي ذكر شهادات علماء أوربا وأشهر كتابها على فضل الدين الإسلامي في نشر المدنية وارتقاء العمران مع بيان الأسس الجوهرية التي بني عليها هذه الدين المبين وتطبيقها على القواعد العقلية والأصول الفلسفية ، ثم ألف رسالته ( الجواب الكافي ) التي رد فيها اعتراضات من اعترض عليه من أقاربه وذويه بسبب دخوله في الإسلام .

وسيلقي هذا الأخ في الدين محاضرة باللغة الإنجليزية في نادي (جمعية الشباب المسلمين) عنوانها (( نصف قرن على الإسلام في انجلترا )) بعد صلاة المغرب من يوم السبت الآتي .

فترحب بهذا الأخ الفاضل الذي أقام بيننا زائراً العاصمة المصرية أياماً قليله .

وسيبرحها بعد بضعة أيام .

بلغة الله السلامة في الحل والترحال .

(مجلة الفتح )
القاهرة: الخميس 23 صفر سنة 1347 هـ
أغسطس سنة 1928 م
نصف قرن على الإسلام في انجلترا
أقدم مسلم انجليزي يتكلم
محاضرة الشيخ عبد الله كوليام في نادي جمعية الشبان المسلمين
شخصية المحاضر

يجتاز الشيخ عبد الله كوليام الآن مرحلة السبعين من حياته متوجهاً منها إلى الثمانين، ومع ذلك لايزال في همة الشباب وقوتهم .

لكن أطباءه نصحوا له بأن يستنشق هواء البحار في رحلة طويلة يقضيها في السفينة ، فخرجت معه زوجته السيدة مريم لترافقه في هذه الرحلة .

ولما ألقت بهم السفينة مراسيها على باب قناة السويس كان شيخنا قد مل من مشاهدة لجج البحار فأراد أن يقضي أياما في وادي النيل إلى أن تعود الباخرة من الهند إلى بورسعيد فيعود معها.

والذين يعرفون صورة الشيخ عبد الله كوليام المنشورة في صدر كتابه (العقيدة الإسلامية) يعرفونه بعمامة ولحية خفيفة ، وذلك أيام كان من العاملين للجامعة الإسلاميةتحت جناح السلطان عبدا لحميد إذ كان موضع ثقة والقائم بما يعهد إليه من المهمات.

أما الآن فكان بيننا يلبس الطربوش . ونزلت زوجته من بر مصر متحجبة بملاءة كثيفة لفتت إليها الأنظار مع شيخوختها فنصح لها أصدقاء زوجها بأن تعود إلى ثيابها العادية الدالة على الحشمة والكمال، والشيخ عبد الله كوليام معروف الآن في عالم الأدب والتأليف باسم هـ . م . ليون أي هارون مصطفى ليون ، وإنما اضطر إلى اتخاذ اسم ( ليون ) لأن عم زوجته كانت له تجارة وأملاك ولم يكن له وارث فاشترط أن لا تأول ثورته إلى بنت أخيه إلا إذا رضي زوجها أن يتسمى باسمه .

فوافق صاحبنا على ذلك وسجل اسمه الجديد في المحكمة .

وهو الآن يشترك في تحرير إحدى المجلات العامة ويحمل ألقاباً علمية محترمه .وفي أيام دراسته كان قد حصل على شهادة دكتور في القانون وشهادة دكتور في الآداب وشهادات أخرى غيرها .

وللشيخ عبد الله كوليام عدة بنين وبنات كلهم مسلمون ، ولبنيه أيضاً أبناء كثيرون كلهم مسلمون كذلك . ووالدته ماتت على الإسلام وأما والده فمات على دينه .

بهذه المعلومات قدم صديقنا الأستاذ راشد بك رسم ضيف جمعية الشبان المسلمين إلى سامعيه عندما وقف وسط التصفيق الحاد المتواصل ليلقى في محاضرته (نصف قرن على الإسلام في انجلترا) كانت قاعد المحاضرات غاصة بأعضاء الجمعية ، وأكثرهم من الشبان الذين يجيدون اللغة الإنجليزية .

فكان ذلك منشطاً للمحاضر في إلقاء محاضرته ، وبلغ بع التحمس والظهور بمظهر القوة أثناء إلقائها إلى حد أن زوجته كانت في وجل عليه أن يكون مايبذله من جهد مضراً بصحته ، لاسيما وانه قد أطال حتى استغرقت خطبته مدة ساعتين .

وعند انتهائها قام صديقي المفضل الأستاذ محمود بك علي فضلي عضو مجلس إدارة الجمعية فألقى خلاصتها بالعربية ليقف عليها الذين لا يعرفون الانجليزية .

المحاضرة :
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها الإخوان ، إنني آسف لأني لا أحسن الخطابة بالعربية فيكون كلامي معكم الليلة بها .

وهذا الموقف يذكرني بخطبة ألقيتها في بلدة ليغوس وكان قد ندبني جلالة السلطان عبد الحميد لإهداء وسام منه إلى محمد بك شيني مكافأة منة على إنشائه مسجداً هناك كان خمسة آلاف جنيه فكان الحاضرون من ستة أجناس مختلفة ، فاحتجنا إلى ستة مترجمين ليترجموا تلك الخطبة للحاضرين .

وكان بينهم ستة عشر مسيحياً هداهم الله إلى الإسلام عقب تلك الخطبة وبالطبع لا يوجد الآن بيننا مسيحيون ، وكنت أتمنى لو كانوا موجودين ليسمعوا محامد الإسلامويعرفوا حقيقته فيكونوا أصدقاء له .

أنا مبتهج أيها الأخوان بوقوفي الليلة بينكم لأحدثكم ، وقد اخترت أن أتحدث إليكم عن نفسي وعن الدور الذي كان من نصيبي أن أمثله بعد دخولي في الإسلام ، وأعتذر إليكم إذا كان في اختياري الكلام عن نفسي شيء من الأنانية وحب الذات .

منذ ستين عاماً أشار علي الأطباء براحة أمضيتها في جبل طارق . فلما صرت إلى هناك ركبت سفينة إلى طنجه لمشاهده بعض البلاد المراكشية .

واتفق أنني لما صعدت السفينة رأيت فيها بعض الحجاج من أهل المغرب يفترون الماء بالدلو من البحر ويتطهرون مبالغين في النظافة ، ثم أقلعت السفينة ، وما كادت تغادر الميناء حتى رأيت هؤلاء الجماعة قد اصطفوا للصلاة صوفاً جميلة وجعلوا يصلون معاً بخشوع وطمأنينة غير مكترثين بتمايل السفينة واضطراب الريح .

ولقد اثر في نفسي ماقرأته على وجوههم من صدق الإيمان فأثارت حالتهم هذه الاهتمام الزائد عندي في أن استزيد من المعلومات عن الدين وعن الذين يدينون به .

وما غمت أن تعرفت بمسلم بتكلم الانجليزية فكان يلازمني دائماً مدة إقامتي في طنجة ، لاسيما بعد ما شعر مني بالرغبة في معرفة المبادئ التي يدعو الإسلام إليها والروابط التي تربط المسلمين بعضهم ببعض .

وفي ذات مساء جلست معه ي مقهى من مقاهي طنجة وكان ثمة رجل إسرائيلي اسمه موسى يعرفه صاحبي المسلم . فقال لي صاحبي : أريد أن اضرب لك مثلاً يوضح حقيقة الديانات الثلاث السماوية السائدة في الأرض ، وهي الديانات التي نمثلها أنا وأنت وهذه الإسرائيلي .

alt
alt
عبد الله كوليام

أن الأنبياء سفراء الله إلى الناس يحملون إليهم قواعد الإصلاح ويدلونهم على طريق السعادة.

لهذا جاء اَدم ونوح وإبراهيم وكل الأنبياء بعد إبراهيم .

وقبل أن يفترق الناس إلى يهود ونصارى ومسلمين كانوا جميعاً على ملة واحدة فجاء المسيح عليه السلام بهداية جديدة أدرك صدقها ونفعها الذين اتبعوا المسيح ، فانفصلوا عن اليهود، وكانوا على حق في انفصالهم هذا لأن المسيحية جاءت مصدقة لما تقدمها ومرشدة إلى الطرق الأقوم .

ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لجميع الأنبياء قبله ومرشداً إلى الصراط المستقيم .

صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية والإرشاد. فانفصل المسلمون أيضا ، وكانوا على حق في انفصالهم هذا كما كان المسيحيون على حق يوم انفصلوا عن اليهود .

فكما أن المسيحية أفضل من اليهودية لأنها وحي أقرب عهداً من الوحي الأول كذلك الإسلام أفضل من المسيحية واليهودية معاً لأنه أحدث الوحي وآخر الديانات وأبقاها.

كنت اسمع حديث صديقي وأطيل التفكير فيه ولا اشعر في نفسي بمعارضة له ، لأنه كان معقولاً ومنطقياً .

فعولت من ذلك حين علي أن اقرأ الإسلام في كتبه وأن اقرأ ماكتبه عنه العلماء المتصفون ، فقرأت ترجمة للقراَن الشريف وقرأت كتاب الأبطال لكارليل وقرأت غيرها ، وما خرجت من طنجة إلا وأنا مستسلم للإسلام مذعن لفوته مقر بأنه حق وأنه خير الأديان .

ولما رجعت إلى انجلترا كان شغلي الشاغل التفكير في الأسلوب الذي يجب أن أتبعه لأدعو الناس إلىالإسلام وأقنعهم به واحملهم على الإيمان به .

وكنت أعلم أن ما شحنه أعداء هذه الهداية في رؤوس الأوربيين عن الإسلام سيحول بيني وبين التفاهم مع الجمهور بطريق المحاضرات أو النشر .

لأن جمهور الإنجليز إذا حدثتهم عن الإسلام يظنون أنك تحدثهم عن دين وثني ، والنشر نفسه تحول بيننا وبينه عقبات لأن الصحف لا تفتح بصدرها لمصل هذه الدعوة .

ثم بدالي أن أطرق بابا غير مباشر ، وهو أن التحق بجمعية النهي عن المسكرات التي كانت تلقي محاضرات دورية .

وبالفعل ألقيت في هذه الجمعية محاضرة موضوعها (( المتعصبون والتعصب )) استهللتها بذكر بعض الشخصيات البارزة في عالم الاختراع والإصلاح الاجتماعي مثل ستيفنسون مكتشف القوة البخارية و ويلبرنورس المجاهد في سبيل تحرير الرقيق ، وأتيت على مجمل _____ كل من هؤلاء من المقاومة والاضطهاد والسخرية بما صرفوا له مواهبهم، قلت : وبالرغم من ذلك نرى آثار هؤلاء العظماء وإصلاحاتهم في انتشار ونماء وقد استفادت منها الإنسانية فوئد عظيمة فاعترفت لهم الأمم كلها بالفضل والعظمة .

ثم اردلت بذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقلت أن هذه المصلح الكبير جاء بالبشر بالرسالة ودعا الناس إلى الخير ، ومع ذلك فقد ناله من الأذى والاضطهاد ما يجده كل مصلح عظيم يسل على خير الانسانيه .

فلما تبين البشر فضله بعد قليل دخلوا في دينه أفواجاً ومازالوا كذلك حتى بلغوا الآن مئات الملايين من جميع أطراف المعمور، ثم ذكرت شيئاً من آداب الإسلاموالمبادئ والتعاليم التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم .

فكان هذا الموضوع طريفاً جداً في نظر الصحفيين الذين كانوا موجودين يسمعون هذه المحاضرة واستأذنوني في أن يأخذوا خلاصتها في صحفهم فقلت لا ، بل أشترط أن تؤخذ كاملة ، فإن لم تنشر كاملة فلا آذن بأخذ شيء منها ، فوافقوا وأخذوا نصها .

لكن القس لما علموا بالأمر أسرعوا إلى مديري الصحف وقالوا لهم إن المحاضرة فيها دسائس ، وإنما تتضمن الدعوة إلى دين وثني وفيها تحريض للمسيحيين على ان يصبئوا عن دينهم .

فوافق مديرو الصحف على حذف ما في المحاضرة خاصاً بمحمد صلى الله عليه وسلم ونشروا الباقي .

أما أنا فاعتماداً على ما اتفقت عليه مع مندوبي الصحف أنذرت القوم بأن سأحاكمهم أمام القضاة على تشويه محاضرتي ، وطالبتهم بأن يعملوا بما كان الاتفاق عليه فينشروا المحاضرة كاملة ، وكان لذلك تأثير عظيم لكثرة الأيدي التي تناولت هذه المحاضرة ولما بلغت هذا النجاح فكرت في أن يكون لنا في بلدي ليفربول مكان نقيم فيه الشعائر الإسلامية ونلقي فيه المحاضرات .

وبالفعل اخترنا مكاناً جعلنا نصفه للعبادة ونصفه للدرس والوعظ وإلقاء الخطب .

وما كدنا نفتح أبوا هذا البيت الإسلامي حتى صار القس يدسون لنا الأشرار والمتحمسين من صغار العقول ، وأفادنا هؤلاء القس بما كانوا يكذبون علينا ويصمونا به من الأمور الباطلة ، فإذا جاءنا المخدوعون بأكاذيبهم ولم يجدوا شيئاً مما حشيت به رؤوسهم يكون لذلك رد فعل حسن جداً .

ومما أوذينا به أن أولائك الأشرار كانوا يلقون الأقذار على المصلين أثناء الصلاة أو وقت خروجهم من بيت الله ، وكانوا يرجمون المؤذن بالحجارة ، وينثرون الزجاج المكسور على سجادات الصلاة ليجرحوا جبهاتنا وأيدينا وأرجلنا .

وفي ذات مساء انتهزوا فرصة وجودنا في مسجدنا فجاءوا إلى درجات السلم ووضعوا أمامها أسلاكاً لنتعثر بها عند خروجنا في الليل .

ومن محاسن الصدف أن أحد الإخوان أهدى إلي يومئذ عصا ، وان لم يكن من عادتي أن احمل العصا ، فحملتها .

وبينما أنا خارج من مسجدنا أمام إخواني أحرك العصا بيدي صدمت عصاي السلك فانتبهت إليه والى الأسلاك الأخرى ووقانا الله شرها وشر أصحابها .

ودخلت المسجد مرة أنا وإخواني لألقي عليهم محاضرة في تفسير آية من القراَن الشريف، فرأيت قد سبقنا إلى المسجد جماعة قرأت في وجودهم أنها وجوه غريبة مريبة ، فلم أبال بهم وتلوت آية القراَن الشريف وشرهت أفسرها وأستنتج منها العظات والعبر .

فلما انتهيت من المحاضرة قام أحد أولئك المريبين وأخرج من جيبه حجارة وألقاها في الأرض ثم توجه إلى أصحابه وقال لهم من كان منكم أن يضرب المسلمين بالحجارة التي معه فأنا صرت الآن مسلماً فاضربوني بها .

فألقوها هم أيضا في الأرض وأعلنوا إسلامهم .

وهذه الرجل الذي كان رئيساً لهم ما لبث أن أصبح عضدي الأيمن ، وقد اختار لنفسه اسم جمال الدين علي ، ولازمني في كل رحلاتي التي قمت بها للدعوة إلىالإسلام.

حتى أننا ذهبنا مرة إلى بلدة بيركنهيد وكان مقرراً أن القي في جمعية منع المسكرات محاضرة ، فأتيت في هذه المحاضرة بشيء عن الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم .

فاهتمت سكرتيرة الجمعية بمحاضرتي وطلب مني أن اشفي غليلها بإعطائها معلومات أخرى عن الإسلام .

ثم قالت : ولكن أليس نبي المسلمين هو القائل أن النساء ليست لهن أرواح فلا يدخلن الجنة .

فأخبرتها بأن هذا من إختلاقات أعداء الإسلام ، وأعطيتها المعلومات الصحيحة عن الدين الإسلامي ومبادئه وقواعده .

فأسلمت هذه السيدة وسميت فاطمة ، وأسلم على يديها شقيقتها وزوجها .

وفي إحدى المرات كنت القي محاضرة في لفربول ، وعند الانتهاء تقدم إلي رجل وطلب أن يرافقني في طريقي إلى البيت ليحادثني أثناء الطريق .

وسرنا نتحدث عن الإسلام ، وكانت أسألته لي وأجوبتي عليها داعية لسرورنا ، فلما بلغت باب المنزل دعوته لشرب الشاي عندي ، وبقينا إلى نصف الليل في حديث عن الإسلام وشرف منزلته ومبادئه العلمية الصالحة لكل زمان ومكان .

وأخيراً قال لي : وإذا كان ما تقوله عن الإسلام حقاً فماذا يمنعك أن تكون مسلماً ؟

فأجبته : إني افتخر بأني مسلم .

فأسلم هو أيضا .

وتمسى جمال الدين بخاري والآن فإن البعض يعتقدون بأن اللورد هدلي أول لورد انجليزي دخل الإسلام .

وليس هذا صحيحاً فقد دخل في الإسلام قبله اللورد ستنلي اولدرلي الذي كان يحب أ يدعى بين أخوانه المسلمين باسم عبدا لرحمن أفندي ، وكان يأتي مسجدنا فيصلي مع إخواننا رغم ما بينهم وبينه من التفاوت العظيم في المنزلة الاجتماعية .

وبلغ عدد الذين أسلموا من الانجليز بضع مئات .

وعلى ذكر المسجد والمصلين أقول : إننا كنا متبعين السنة الإسلامية في أن يصلي النساء صفاً وراء الرجال ، أما مسجد ووكنج فترتيبهم في الصلاة أن يصلي الرجل بين المرأتين والمرأة بين الرجلين ، لأن أعداء الإسلام يضعون في أذن المرأة أن الإسلام يريد إهانتها يجعلها تتخلف في الصلاة وراء الرجال .

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن السنة الإسلامية في الترتيب هي التي تضمن خلو بال المصلين ، وأنا لا ريب عندي قط في هذه الحقيقة .

والإسلام يحترم المرأة ويكرمها ويحفظ لها الحقوق المعقولة ، وفيما عدا ذلك فكل ما جاء فيه خاصاً بها فمعقول وطبيعي ، لأنه من مقتضيات الفروق الطبيعية بين الجنسين.

ثم أعلن الشيخ عبد الله كوليام استياءه من ذيوع المسكرات في البلاد الإسلامية وانتشار الإعلانات عنها في المحطات والشوارع الكبرى وفي كل مكان .

ونصح للشبان المسلمين في أن يقاوموا هذا الشر وينهوا عنه ويعملوا على إزالته وأن يتمسك المسلم بكل ما جاء في دينه غير مكترث بما يقوله أعداء هذه الهداية .

هذه هي محاضرة الشيخ عبد الله كوليام .

وقد كان لها وقع عظيم جداً، وكان لصاحبها في قلوبهم مكانة شعر هو بها فكانت عنده أعظم مكافأة دنيوية له على جهاده في سبيل الإسلام.

محب الدين الخطيب

الفتح
8 ربيع الأول 1347 هـ
23 أغسطس 1948 م
موقف عبرة فيما سمعناه من السير عبد الله كوليام
في نادي جمعية الشبان المسلمين
alt
alt
واجهة مسجد عبد الله كوليام التاريخية

صديقنا الأستاذ أحمد محمد السكري – كاتب هذه المقال أحد الذين سمعوا محاضرة الشيخ عبد الله كوليام ليلة ألقاها في نادي جمعية الشبان المسلمين ، فكتب مقالته هذه متأثراً بتلك المحاضرة ، وكان من حقنا أن ننشره قبل هذا العدد ، ولكن حالت دون ذلك كثرة المواد ، قال الأستاذ السكري :

رأيت ذلك النور الفياض الذي كان يتلألأ بين ثنايا ذلكم البطل المجاهد ؟

رأيت تلك الشخصية الفذة تلوح بيديها ذات اليمين وذات اليسار ملتهبة حماساً وقوة نشرح كفاحها السلمي وجهادها الشريف ، وتضرب المثل الأعلى للمجاهدين العاملين ؟

أسمعت ذلك الصوت الجهوري يفيض إيمانا وصدقاً فيخترق المهج ويسكن قراره المؤمن ؟ ذلك هو صوت السيد عبدا لله كوليام اسلم الانجليزي في قاعة جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة .

ذلك الرجل العريق في الإسلام الذي طالما سمعنا باسمه وعلمنا أنه أقدم داع إلى الحنيفية القراء في

الوجود المصري في الخليج العربي

الوجود المصري في الخليج العربي
في عهد محمد علي، وأثره في السياسة البريطانية (1819 - 1840)
الدكتور عبدالحميد البطريق * - 19 / 5 / 2008م - 4:14 م - العدد (12)
 

يتألف الوجود المصري في الجزيرة العربية من فترتين: فترة عثمانية مصرية تبدأ من عام 1813 وتنتهي في عام 1819، وهي فترة الغزو والحروب وعدم الاستقرار، والفترة الثانية تبدأ من عام 1820 وتنتهي في عام 1840، وهي الفترة التي بدأت منذ تدمير العاصمة السعودية (الدرعية) التي حاول محمد علي أثناءها أن يثبت أقدامه ويعدّ العدّة للانفراد بحكم الأرض التي خضعت لسلطانه في الجزيرة العربية بعيداً عن الارتباط بالسلطان العثماني، وهي رغبة قديمة كان يتطلع إليها منذ أن نجح في الانتصار على الدولة السعودية الأولى. وقد تجلّت تلك الرغبة في الرسالة التي بعث بها إلى ابن أخته أحمد باشا يكن، الذي عيّنه حاكماً على الأقطار الحجازية بعد مغادرة ابنه إبراهيم باشا الكبير أرض الجزيرة العربية بعد أن أنهى مهمته هناك.

وفي تلك الرسالة التي سماها بالمرسوم (8 نوفمبر 1821) وضع للحاكم الجديد أحمد باشا يكن الخطط المثلى التي رآها تصلح للحكم؟ وكان أخطر ما جاء في تلك الخطة التي سبقت نزعه مع السلطان بأحد عشر عاماً ما جاء في نهاية رسالته: (إن مرادي من تحرير هذه الأصول إليك قائم على رغبتي في التصرف في الأقطار الحجازية تصرّف المستقل)[2] .

أما الفترة الأولى التي وصلت أثناءها القوات المصرية إلى ساحل الخليج، فقد جاءت بعد تدمير الدرعية عندما وصلت التعليمات من محمد علي إلى قائد الجيوش إبراهيم باشا بغزو جميع البلاد المجاورة لنجد، والتي تسمى الآن بالمنطقة الشرقية. وعندئذٍ بدأ إبراهيم بغزو منطقة الحسا (الأحساء) والقطيف[3] ، وهي المنطقة الممتدة على ساحل الخليج من حدود الكويت الجنوبية إلى حدود قطر وعمان، وذلك بقصد القضاء على كل أثر لنفوذ الدولة السعودية التي كان سلطانها يشمل الحسا والقطيف والبحرين وجزءاً من أرض عمان، بمعنى أن سيادتها كانت مبسوطة على الساحل العربي للخليج الفارسي.

وكان لوصول القوات المصرية إلى ساحل الخليج أثران سياسيان هامان:

أولهما: أن السلطان العثماني حزّ في نفسه ذلك النجاح الكبير الذي بلغه محمد علي في الجزيرة العربية، لأنه كان دائم الارتياب في أهداف محمد علي ولا يطمئن إليه، بل بلغ به الشك في سوء نية محمد علي أن اعتقد بعد وصول القوات المصرية إلى موقع قريب من خليج البصرة أنه ربما تصل به أطماعه الشخصية إلى التطلع للوصول إلى بغداد.

ثانيهما: اهتمام الإنجليز بوصول قوات محمد علي إلى إقليم الخليج، إذ بدأت حكومة الهند البريطانية تنظر إلى حركات محمد علي في تلك المناطق نظرة الشك والحذر لأن التقارير التي كانت تصل إليها من مندوبيها في إقليم الخليج تثير القلق والشك في الخطوات القادمة لتلك القوات[4] .

وكان الإنجليز يعملون منذ سنين على بسط نفوذهم على المنطقة بحجة محاربة القرصنة التي تعترض الملاحة التجارية ففرضوا صداقتهم وأملوا إرادتهم على إمام مسقط. ولما سيطر السعوديون على منطقة الحسا، حاول الإنجليز الاتصال بهم لتوثيق روابط الود، وضمان عدم الاعتداء على السفن الإنجليزية.

ولما شرعت القوات المصرية تتقدم في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية وتصل إلى منطقة الحسا في طريقها إلى ساحل الخليج ازدادت رقابة حكومة الهند البريطانية على أنباء تطور الأحداث بعد وصول قوات محمد علي إلى تلك الجهات[5] .

وفي الوقت الذي كان الإنجليز يشعرون بالمرارة من نجاح القوات المصرية في التقدم من (نجد) إلى الخليج، كان هذا الشعور يخالطه شعور آخر بالارتياح لأن وجود الجيش المصري هناك قد يقضي على حركات قراصنة الخليج. وفعلاً لوحظ أن السفن الإنجليزية بدأت في الفترة التي ساد فيها الوجود المصري في تلك الجهات تمخر عباب الخليج في أمان واطمئنان[6] ، حتى أن سولت، قنصل إنجلترا في مصر كتب إلى وزارة الخارجية البريطانية يشرح رأيه في أن محمد علي يطمح في صداقة الإنجليز، ويرى سولت أن قواته وسيادته هناك (خير من سيادة أولئك الوهابيين)[7] .

ورجحت الحكومة البريطانية أن تلك الجهات العربية التي فتحتها قوات إبراهيم باشا بشق النفس وأقصى الجهد، لا يمكن أن تنسحب منها بعد ذلك، وأن نجد والحسا قد تصبحان في القريب ولايتين تابعتين لمصر، فرأوا من الخير أن يتفاهموا مع تلك القوة الجديدة التي ظهرت في مناطق الخليج، أولاً لكي يسبروا غور أهداف محمد علي، وثانياً لكي يتصرفوا في ضوء تلك الاتصالات[8] .

وفي صيف عام 1891، أبحرت من بومباي سفينة حربية إلى الخليج تحمل رسولاً خاصاً لمقابلة قائد الحملة إبراهيم، وكان ذلك الرسول هو الكابتن جورج فوستر سادلير، الذي اختاره السير إيفان نبين حاكم بومباي في شهر أبريل لكل يبحر إلى ميناء القطيف أو العقير على ساحل الحسا، ومن هناك يتوجه براً إلى الدرعية حيث كانت حكومة الهند البريطانية تظن أن قائد الحملة المصرية يعسكر هناك، وأن الحرب بين القوات المصرية والسعوديين لن تضع أوزارها ي وقت وجيز، وقد زوده السير إيفان نيبين ببعض الهدايا إلى إبراهيم مع رسالة كتبت بلغة عربية ركيكة، يهنئه فيها باسمه واسم الحاكم العام للهند على انتصارات الحملة المصرية على الوهابيين. وكان على سادلير أن يمر في طريقه بسلطان مسقط (سيد سعيد) لكي يطمئنه ويزيل مخاوفه من ناحية الوجود المصري في المنطقة الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية، ذلك لأن إبراهيم يدرك تمام الإدراك تلك العلاقة الوثيقة التي تربط بريطانيا بمسقط[9] .

ولم يكن اهتمام الإنجليز بتحركات القوات المصرية على سواحل الخليج العربي بأقل من اهتمام محمد علي بتحركات الإنجليز هناك، فقد كان يخشى اتصال حكومة الهند البريطانية بإمام مسقط، وكلف حكومته في جدة بالتجسس على أخبار تلك العلاقات[10] ، وأوصى إبراهيم بالعمل على إضعاف نفوذ هذا الإمام ثم استمالته بعد ذلك. وكان الإنجليز من جانبهم يخشون اتصال محمد علي بإمام مسقط وبغيره من حكام الجهات الواقعة على الخليج.

وكان أن غادر سادلير مسقط في طريقه إلى القطيف فوصلها في 21 يونيو سنة 1819، وهناك علم بأن الدولة السعودية الأولى قد زالت وأن عاصمتها الدرعية أصبحت أثراً بعد عين، وأن قائد الحملة المصرية قد تصله الأوامر من القاهرة بالانسحاب من البلاد التي فتحها على ساحل الخليج مع ترك حاميات صغيرة في المواقع المهمة، وتسليم مهمة الحكم في تلك المناطق لأسرة ابن عريعر من بني خالد الموالين للحكم المصري.

وقرر سادلير أن يواصل بعثته حتى يقابل إبراهيم ويقف منه في جلاء على مستقبل الوجود المصري في الخليج، فقصد بلدة الهفوف قاعدة الحسا حيث أن الضابط الذي كان يرأس حامية الهفوف يستعد للانسحاب ففضل سادلير أن ينتظر ليرافق القوات المصرية ويكون في حمايتها أثناء الطريق. وفي 21 يوليو تحركت القافلة الحربية الكبيرة من الهفوف بالحسا إلى نجد، وكان سادلير يهتم أشد الاهتمام بدراسة كل موقع يمر به، ويطلب من أدلائه تفاصيل وافية عن الحاصلات والغلات والموارد وحالة البلاد العامة ومزاياها الاقتصادية، ويضع خرائط لتوزيع البدو في قلب الجزيرة العربية، ولكنه اضطر إلى الإسراع عندما علم بأن إبراهيم في طريقة إلى المدينة المنورة.

وفي سبتمبر سنة 1819، علم إبراهيم برغبة الكابتن سادلير في مقابلته ولما لم يكن مصرحاً لأي مسيحي بدخول المدينة فقد استقبله إبراهيم في موقع خارجها اسمها (بير علي). وهناك سلمه سادلير رسالة حاكم بومباي وعرض عليه طبيعة بعثته، وأخبره أن حكومة الهند البريطانية قد ساءها تكرار العدول من القراصنة الوهابيين الذين يقيمون على ساحل الحسا على السفن التي تسير في الخليج وبأنها تنوي إرسال أسطول حربي لتخريب أوكار القراصنة في سبعة مرافئ على الخليج الفارسي، وأن حكومة الهند البريطانية تأمل أن شاركها القوات المصرية بحملة من البر وأن يكون العمل مشتركاً على سواحل الخليج[11] .

وقد رد إبراهيم بأنه ليس مخولاً بالبت في مثل هذه الأمور إذ أنه إنما ينفذ رغبات أبيه كما هي، ولذا فليس في وسعه أن يعد بشيء قبل أن يبعث بالمقترحات الإنجليزية إلى القاهرة، واقترح على سادلير أن يذهب إلى جدة في انتظار الرد النهائي على تلك المقترحات[12] . ولكن طال انتظار سادلير في جدة إلى أن وصل الأمر إلى إبراهيم بأن (يرد طلب سادلير في حكمة وتلطف وأن يتعلل بأنه قد وعد بأن يستريح هو وجنوده بعد فتح الدريعة إزالة للتعب واستجماماً للراحة)[13] . ولما تحقق سادلير من فشل بعثته أبحر إلى بومباي في 23 يناير 1920 في الوقت الذي عاد إبراهيم إلى القاهرة بعد أن نظم شؤون الحكم في المناطق المجاورة لساحل الخليج بحيث يصبح الحكم محلياً في أيدي (ابن عريعر) وهو أحد الموالين لمحمد علي.

* * * *
وعند قيام الدولة السعودية الثانية التي أسسها تركي بن عبداللَّه، ثم ولده فيصل بن تركي، وقعت الحسا في قبضة السعوديين، وهنا يبدأ الدور الثاني لظهور القوات المصرية مرة أخرى على سواحل الخليج، بقيادة القائد العظيم خورشيد باشا. وكانت مهمته في أول الأمر أن يقوم من المدينة المنورة على رأس حملة لغزو نجد والمنطقة الشرقية حتى ساحل الخليج وذلك بقصد القضاء على الدولة السعودية الثانية التي استفحل أمرها هناك[14] .

وكان خورشيد باشا قبل أن يقوم بحملته على نجد والخليج قد اتخذ المدينة مقراً لقيادته عندما كان مكلفاً بإخضاع قبائل بني حرب التي تسكن تلك المنطقة، وفي أبريل عام 1838 تحرك خورشيد باشا قواته المصرية إلى إقليم القصيم بنجد واتخذ من عنيزة مقراً لقيادته[15] .

ومنذ أن استقر في عنيزة لم تنقطع وفود مشايخ القبائل الذين كانوا قد انضموا إلى فيصل بن تركي آل سعود، ولسنا الآن بسبيل الحديث عن تفاصيل تلك الحملة، ولكن يكفي أن نذكر أنها تغلبت على الدولة السعودية الثانية، وشرع خورشيد في تنظيم الحكم الجديد رغم كل العراقيل التي كانت تركيا ورجال السلطان العثماني يضعونها في طريق استقرار القوات المصرية هناك، وذلك عن طريق الاتصال بفيصل بن تركي وتشجيعه على المقاومة. وكان والي بغداد العثماني هو المكلف من الباب العالي بذلك الاتصال، وهو الذي كان يدعو فيصل بن تركي إلى الثبات ويبلغه رضا الباب العالي عنه، ويعده بإرسال المدد إليه، إن كان في حاجة إلى رجال أو مال أو عتاد[16] .

والواقع أن الدعاية التركية كانت في ذلك الوقت تعمل على وضع العراقيل في طريق تثبيت حكم محمد علي في الجزيرة العربية، بعد النزعة الاستقلالية التي أثارت الحرب بين السلطان ومحمد علي، وبعد أن كانت الدولة العثمانية تعمل على تحطيم الحركة الوهابية أصبحت تتصل بالدولة السعودية الثانية للتحالف معها على إخراج القوات المصرية من الجزيرة العربية.

ومما هو جدير بالذكر أن أفراد القوات التي نجحت في غزو المنطقة الشرقية ووصلت إلى ساحل الخليج كانوا من الجنود المصريين الذين تلقوا تدريباتهم العسكرية وفق (النظام الجديد) الذي استحدثه محمد علي عندما عزم على تكوين جيش حديث من المجندين المصريين. وكان قائدهم خورشيد باشا قد تلقى دراسته العسكرية على أحدث النظم التي أدخلت في مصر[17] . وأن الباحث ليعجب أشد الإعجاب ببطولة هذا القائد الكبيرة عندما يستعرض الظروف السيئة التي واجهت القوات المصرية في نجد وعلى الأخص في المنطقة الشرقية، وأهمها:

أولاً: تحالف عليه أعداء زاد عددهم بكثير عن عدد جنوده. وكانت المؤمن تنفذ منه تماماً، حتى اضطر الجند إلى أن يقتاتوا بلباب النخيل. وكان خورشيد يضطر إلى أن يأمر بذبح الجمال التي اشتراها من قبل لحمل أثقال الجيش من مؤونة وعتاد لتكون طعاماً للجنود. أضف غلى ذلك ما أصاب الخيول من الهزال نتيجة انعدام العليق حتى اضطر الفرسان إلى تركها ترعى الحشائش بعد أن نفذ البرسيم.

ثانياً: كان بعض أهالي نجد ممن دخلوا الطاعة قد تعهدوا لخورشيد باشا أن يقدموا له ما يطلبه من الخدمات، إلا أنهم لم يكونوا مخلصين له، بل كانوا يميلون إلى نصرة فيصل ضد الحكم المصري.

ثالثاً: صعوبة القيام بالحرب على الطريقة الحديثة في نجد، أن (جدران المنازل والأبراج مصنوعة من الطين المصبوب في عرض ثلاثة أو أربعة أذرع، فإذا صوبت إليها المدافع لا تهدم القذيفة أي مكان من الجدار الذي أمامها، وإنما تخرق الموضع الذي تصيبه وتنفذ من الوجه الآخر، ولا يمكن هدم الجدار إلا بعد إطلاق المدافع عدّة مرات)[18] .

رابعاً: لا يبرز أهالي القرى في نجد للحرب مواجهة، وإنما يختبئون في الأبراج والبساتين التي بداخل البلدة، ثم يطلقون البنادق وهم مختفون في كل مكان، ولا يقل عدد الأبراج في كل قرية عن خمسة وعشرين برجاً. وحين تقوم القوات المصرية بالهجوم تجد القرية كلها قد تحولت إلى ميدان متسع الجوانب تخرج النيران فيه من كل مكان[19] .

ومع كل هذه الصعوبات استطاع خورشيد باشا بما اتصف به من قوّة العزيمة وسعة الحيلة أن يجعل قواته تضيق الخناق على فيصل حتى اضطره إلى التسليم هو ومن معه من الأمراء السعوديين، وأرسلهم إلى المدينة المنورة تمهيداً لترحيلهم إلى مصر.

وبانتهاء دولة فيصل بن تركي آل سعود، بدأ عهد جديد في تاريخ الحكم المصري في تلك الأقطار النجدية بما فيها المناطق الواقعة على ساحل الخليج، حيث تبين لمحمد علي خطأ ترك هذه البلاد بغير تنظيم أو حاميات كبيرة، وذلك بعد أن عانت القوات المصرية فيها ما عانت في سبيل الانتصار على الدولة السعودية الثانية. ولذلك رأى أن يعهد إلى خورشيد باشا بتنظيم أمر هذه البلاد ومحاولة استغلال مواردها في إنشاء حكومة صالحة وسدّ حاجة جيش الاحتلال.

وكانت المهمة التالية هي العمل على مدّ النفوذ المصري حتى ساحل الخليج. وفي أواخر عام 1838 أخذت الفرق المصرية تتدفق نحو الخليج مبتدئة بإخضاع الحسا، أقرب مناطق الخليج إلى نجد. ورأى خورشيد أن يستدعي أميرهم القديم ابن عريعر الذي فرّ من وجه السعوديين وعينه أميراً من جديد، بعد أن هزم عمر بن عفيصان الذي كان فيصل قد عيّنه أميراً للحسا ثم فرّ منها إلى البحرين.

وهكذا تمّ فتح منطقة الحسا واحتلال موانئ القطيف والعقير، حيث وضعت بكل منها حاميات مصرية. أما القطيف فقد وجد خورشيد أنها في حاجة إلى عناية كبيرة إذ أن مياه الميناء لا تستقر على حال واحدة بل تقل تارة وتكثر تارة أخرى، وليس بالميناء فرضة مناسبة لدخول السفن، ولذلك اعتبرت جزيرة البحرين ميناء الحسا والقطيف[20] .

وكانت الحكومة البريطانية تتبع تطورات القتال الذي دار في نجد ومناطق الساحل، فأرسل المقيم البريطاني في بغداد روبرت تيلور، إلى حكومته في لندن يقول إن المعلومات التي تجمعت لديه هي أن القوات المصرية تتدفق على ساحل الخليج، وربما تكون البحرين هي الهدف[21] .

والواقع أن تيلور كان مصيباً في تكهناته، لأن خورشيد باشا كان يتطلع إلى بسط السيطرة المصرية على البحرين، وهي خطوة شاقة تحتاج إلى سياسة حكيمة، وكفاية حربية دقيقة، ولكنه كان مصمماً على احتلالها لعدّة أسباب:

أولاً: مركزها الجغرافي الذي جعل منها ميناء للمنطقة التي احتلتها الجيوش المصرية في الحسا والقطيف، وترد إليها السفن من الهند والبصرة وعمان (فإدخالها تحت الحكم المصري يساعد على رواج التجارة المصرية ويبعث الحركة والنشاط في المنطقة المصرية على ساحل الخليج الفارسي)[22] .

ثانياً: أصبحت جزيرة البحرين مأوى أعداء الحكم المصري الذين فروا إليها تباعاً من الحسا  ونجد، وهناك في البحرين يعملون على تدبير المؤامرات ضد الحكم المصري، فهناك يقيم عمر بن عفيصان حاكم الحسا السابق، ومحمد بن سيف العجاجي، حاكم القطيف السابق، وكثير من الزعماء الوهابيين، وجماعة من جنود فيصل بن تركي ممن تمكنوا من الفرار أثناء المواقع الحربية بين المصريين وفيصل[23] .

ثالثاً: يتوارد على البحرين عدد من طوائف البدو الذين منعهم خورشيد من دخول القرى في نجد والحسا، حتى يقدموا الجمال المطلوبة منهم للجيش المصري. وهؤلاء البدو اعتادوا أن يعرجوا على تلك القرى مرة في السنة لأخذ ما يحتاجون إليه من تمر وطعام ثم يعودون إلى الصحراء. فلما منعوا من دخلوا الحسا والقطيف وقرى المنطقة الشرقية، وجدوا بغيتهم في جزيرة البحرين يأخذون منها ما يحتاجون إليه، وأصبحوا في غنى عن تلك القرى، فلا يضطرون إلى تقديم الجمال المطلوبة لقوات محمد علي[24] .

وصل المندوب المصري محمد رفعت إلى ساحل الخليج لكي يدرس أحوال الموانئ الواقعة في تلك المنطقة ويمهد الطريق أمام القوات المصرية للتحرك نحو البحرين ي الوقت المناسب. ثم انتقل إلى البحرين لمفاوضة أميرها عباله بن أحمد آل خليفة بطريقة ودية للانضواء بطريقة أو بأخرى تحت لواء الحكم المصري.

وكان وصول المندوب المصري محمد رفعت في 7 مايو سنة 1839 إلى خور حسان على ساحل قطر حيث كان أمير البحرين عبدالله بن أحمد آل خليفة في انتظاره، وأرسل المندوب له قبطان السفينة يخطره بحضوره مندوباً عن خورشيد باشا للمفاوضة، فأرسل إليه أمير البحرين رسولاً لكي يرحب به، ويدعوه إلى الإقامة في القلعة التي يقيم فيها.

وكان الجو ملائماً للمفاوضة، فقد كان الأمير إذ ذاك حائراً بين سلطتين أخريين تحيطان به وتتبادلان اجتذابه ومحاولة الاتفاق معه، فشاه فارس (إيران) يدعوه إلى الانضمام إلى دولته، ويتعهد له بحمايته من القوات المصرية: التي وصلت إلى الخليج[25] ، ومن جهة أخرى اتصلت الحكومة البريطانية به ودعته إلى التخلي عن الاتصال بالمصريين وأخذت تعرض عليه عروضاً مغرية[26] . أضف إلى ذلك وصول مندوب آخر يمثل والي العراق العثماني يحذره باسم حكومة الباب العالي من الاستسلام لحكومة محمد علي.

أما الإنجليز الذين كانوا يراقبون حركات القوات المصرية في حذر وقلق، فكلفت حكومة الهند البريطانية مندوبها في بوشهر بالاتصال بأمير البحرين ليحثه على عدم الاستسلام لخورشيد باشا لو فكر في مهاجمته او الاتفاق معه، وأن يعده بحماية بريطانية له إذا هاجمه. ولفت نظره إلى أن (أي اتفاق بينه وبين المصريين يكون مخالفاً لما سبق الاتفاق عليه بينه وبين الحكومة البريطانية منذ سنين).

والواقع أن أمير البحرين عبداللَّه بن أحمد آل خليفة كان فعلاً يطمع في حماية الإنجليز له منذ أن استولت القوات المصرية على منطقة الحسا وأخذت تهاجم قلعة الدمام، لذلك أرسل قنصل بريطانيا في بوشهر يخبره بأن "المصريين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من غزو البحرين، وأنهم يستطيعون بكل سهولة الاستيلاء عليها في ليلة واحدة". وأضاف إلى ذلك قوله: "فإن كان عندكم ما يعاوننا الآن، فأرسلوا مقداراً من الجند في سفنكم، وإن لم ترسلوا من يعاوننا فإننا مضطرون إلى الارتباط مع خورشيد باشا وفق قوانيننا وقواعدنا القديمة"[27] .

ويظهر أن القنصل الإنجليزي لم يكن  مخولاً بإعطاء جواب قاطع في مسالة المساعدة العسكرية لأمير البحرين، ولذلك رأى الأخير أن يستقبل المندوب المصري محمد رفعت ويعقد معه اتفاقاً يصون به إمارته.

ومع أن أمير البحرين كان يخشى السيطرة المصرية على الجزيرة، إلا أنه لم يجد بداً من التسليم بالأمر الواقع، فهو يسمع أخباراً فيها كثير من المبالغة عن القوات المصرية النظامية المرابطة على ساحل الخليج، وهو في الوقت نفسه يخشى من ادعاء الفرس ملكية الجزيرة، وقد تؤدي مساعدتهم له إلى فرض سيطرتهم عليها، ثم إن الإنجليز يتراخون في مدّ يد المساعدة العسكرية ضد القوات المصرية.

لهذا كله قرر استقبال المندوب المصري محمد رفعت ومفاوضته، وقد أفصح للمندوب عما يجول بخاطره في مبدأ الأمر، عندما كانت الدعاية تصف القوات المصرية في نجد بالوحشية وتصورهم غزاة همجاً لا همّ لهم إلا السلب والنهب، وأنه تحقق بعد ذلك من كذب تلك الادعاءات. ولذلك فهو يرحب بالاتفاق مع حكومة محمد علي على الرغم من تهديد الإنجليز والفرس. ثم أضاف إلى ذلك قوله: "لقد رأينا تبعيتنا لكم مأمونة العاقبة بسبب معاملتكم لغيرنا بالإنصاف، ولاسيما أن العجم على مذهب الشيعة الروافض، والإنجليز على غير الملة الإسلامية"[28] .

ولكن قبل أن تبدأ المفاوضة طلب عهداً يؤمنه فيه خورشيد باشا باسم حكومة مصر على إمارته وأملاكه، وقد استصدر له المندوب المصري من خورشيد باشا العهد الآتي نصه:

"من خورشيد باشا سر عسكر نجد إلى جناب المكرم عبداللَّه بن أحمد آل خليفة: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته وبعد، الذي نعرفك به أننا أعطيناك أماناً من طرفنا أمان اللَّه وأمان أفندينا محمد علي باشا على أموالك وحلالك ورعيانك، وأن يكون أمر البحرين في يدك على الاتفاق والعهد الذي يصير بينك وبين محمد أفندي رفعت معاوننا ووكيلنا، ومن حيث أنه وكيل مفوض من طرفنا في ربط الأمر معك، فما اتفقت أنت وهو عليه وعاهدته عليه فهو ما عندنا، وعلى هذا عهد وميثاق، واللَّه على ما نقول وكيل"[29] .

وكان أمير البحرين في الوقت نفسه يخشى الخضوع للنفوذ المصري في عهد محمد علي، ولكنه كان يسمع أخباراً فيها كثير من المبالغة عن قوات خورشيد باشا المرابطة على ساحل الخليج، ولذلك عندما وصل المندوب المصري محمد رفعت استقبله بالرحب والسعة، وقبل أن يفتح باب المفاوضة معه "عن طيب خاطر". وبعد ذلك تمت المفاوضة ووقع الطرفان على الشروط التالية:

أولاً: يكون أمير البحرين عبداللَّه بن أحمد آل خليفة لمحمد علي ويقدم كافة المساعدات التي يطلبها منه محمد علي على قدر استطاعته.

ثانياً: يدفع أمير البحرين سنوياً لحكومة محمد علي زكاة البحرين وهي التي كان يدفعها من قبل لآل سعود.

ثالثاً: يستمر أمر البحرين في يد الأمير وليس لأحد غيره أن يتسلط على رعاياه في البحرين.

رابعاً: يقدم عبداللَّه بن أحمد أمير البحرين المراكب والسفن لحكومة محمد علي في حالة تسيير جيوش مصرية إلى أي جهة من مناطق الخليج.

خامساً: أن يسلم أمير البحرين إلى حكومة محمد علي كل من يهرب إلى بلاده من نجد أو توابعها، أومن أي بلد من البلاد التي دخلت تحت الحكم المصري، فإذا طلب إليه تسليم أي شخص من هؤلاء فعليه أن يسلمه في الحال أو تخليص ما عليه لمن كان هارباً من دفع ما عليه من خراج أو ما شابه ذلك.

سادساً: أن يقيم بالبحرين وكيل من طرف الحكومة المصرية يشرف على المصالح المصرية هناك.

سابعاً: ليس لأمير البحرين أن يأخذ عوائد من الغواصين الذين يصطادون اللؤلؤ من القطيف، وله أن يأخذ من غواصي البحرين فقط[30] .

وبعد أن تم الاتفاق ووقعه أمير البحرين ومحمد رفعت المندوب المصري، طلب الأمير أن تعفو حكومة مصر عن كبار النجديين الذين كانوا قد لجؤوا إلى البحرين أمثال عمر بن عفيصان حاكم الحسا الموالي للسعوديين، وغيره ممن فروا إليها أثناء العمليات الحربية التي قام بها خورشيد في المنطقة الشرقية. وقد قبل خورشيد باشا شفاعة عبداللَّه بن أحمد آل خليفة فيهم، وأرسل إليهم كتب الأمان. ورأى خورشيد أيضاً أن يظهر له حسن نية الحكومة المصرية نحوه، ويؤكد له أنها لم ترغب في زيادة الضريبة التي كان يدفعها لآل سعود ويزيل من ذهنه الخوف والرهبة من ناحية الإنجليز أو فارس أو سيد سعيد بن سلطان إمام مسقط وصديق بريطانيا، فكتب إليه يقول: "جاء في الاتفاق الذي تم بينكم وبين محمد أفندي أنكم ستدفعون ثلاثة آلاف ريال، وهو المبلغ الذي كنتم تدفعونه لتركي بن سعود، والذي نعرفكم به أن الدراهم إن قلّت وإن كثرت فلم يكن لها عندنا حساب ، والآن نحن لم نرد منكم زيادة عن الذي كان بينكم وبين تركي ولا مرامنا نأخذ منكم نقوداً خلاف ما يستوجبه الإصلاح وتمشية السبل والمساعدة على الأشغال، ونكون نحن وأنتم على حال واحدة تجاه العجم والإنجليز، فهم لا يتدخلون في الأمر الذي نحن فيهز وأما من جهة سعيد بن سلطان إمام مسقط فإنه من أسبق صديق لأفندينا ولي النعم، وإذا بلغه اتفاقنا معكم فلا يحط يده، وهذه الأمور لا تحملوا همّها"[31] .

والواقع أن خورشيد باشا قد غاب عنه أن الإنجليز قد هالهم ذلك الوجود الخطير للقوات المصرية على الخليج، واشتدّ قلقهم عندما علموا باستسلام أمير البحرين في اتفاقية تجعل لمصر السيطرة على تلك الجزيرة، وتخالف ما سبق الاتفاق عليه بينه وبين الإنجليز بدفع أي خطر عربي أو غير عربي على الجزيرة. ولم يكن اهتمام الإنجليز بالبحرين قاصراً بالنسبة لهم على أهميتها العسكرية والسياسية، بل أهميتها الاقتصادية أيضاً، لأن حكومة الهند البريطانية تهتم بتجارة اللؤلؤ[32]  وبحركة الملاحة الإنجليزية في تلك الجهات، ومما ساعد قلق الإنجليز من حركات القوات المصرية على شواطئ الخليج أن المصريين منذ أن وصلوا إلى تلك الجهات في محاربتهم للدولة السعودية الثانية 1838 - 1839 أقامت حكومة مصر مندوباً سياسياً لها في الكويت، وكان أمير الكويت إذ ذاك هو الشيخ الصباح الذي كان على صلات طيبة بالحكومة البريطانية[33] .

ثم ازداد جزعهم عندما علموا بتحركات أخرى يقوم بها ريبت محمد (خالد بن سعود) الذي اصطفاه من بين أبناء سعود الصغار وأنشأه في مصر منذ صغره على طاعته والولاء له، ثم عينه أميراً على نجد وتابعاً لسياسته، وتركه يعمل تساعده بعض القوات المصرية، على استعادة حدود الدولة السعودية القديمة. واعتقد الإنجليز أن خالد بن سعود ما هو إلا آلة في يد محمد علي يحركه كيف شاء، ولذلك أخذوا يراقبون تحركاته وعلى الأخص عندما كلف خالد مساعده سعد بن مطلق بأن يحمل على الأراضي المجاورة لحدود عمان. ثم يبعث برسالة باسم خالد بن سعود يطالب إمام مسقط سيد سعيد بالمبلغ السنوي الذي كان يدفعه سنوياً من قبل لآل سعود[34] .

ومن الواضح الذي تؤكده الوثائق أن حكومة القاهرة لم تكن على علم سابق بتلك الخطوة التي كانت سبباً في زيادة قلق الإنجليز من جهة وإغضاب سلطان مسقط من جهة أخرى، ولم يكن يخفى على محمد علي مدى اهتمام الإنجليز بساحل عمان، وما عقدوه من قبل مع سيد سعيد من اتفاقات ومعاهدات، فما كادت شكوى الإمام تصل إلى محمد علي من تحركات خالد بن سعود ومندوبه سعد بن مطلق  حتى كتب إلى أحمد باشا يكن محافظ مكة وحاكم الحجاز أن "يكتب إلى خالد بك بعدم المضي في كسر خاطر الإمام نظراً لما بينهما من المودة والحقوق". وان يكتب إلى إمام مسقط قائلاً له: "إن الخطاب الذي أرسله خالد يحمل على صغر سنه، وأنه كتب إليه بالكف عن ذلك"[35] .

وكان في ذلك ترضية كافية لسلطان مسقط. أما حكومة الهند البريطانية التي كانت تراقب حركات القوات المصرية على الخليج، فقد كان لها شأن آخر.. فمنذ تواجدت تلك القوات على سواحل الحسا والقطيف، وأصبحت المخابرات تترى بين حكومة الهند وقنصلها المقيم بإحدى جزر الخليج، وقنصل بريطانيا بالقاهرة الكولونيل كامبل واللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطانية لاتخاذ الإجراءات الحاسمة لوقف الزحف المصري على سواحل الخليج الفارسي.

وكان اللورد بالمرستون يفضل أن تظل الطرق الموصلة إلى الهند تحت السيادة العثمانية الضعيفة لا أن تقع في يد القوات المصرية. أما وقد تزحزحت تركيا عن تلك المناطق، وتحطمت قواها تحت ضربات القوات المصرية في الشام والأناضول، فإن انتشار الجيوش المصرية النظامية في الجزيرة العربية، وتحكمها في شواطئ الخليج وشواطئ البحر الأحمر يؤدي إلى تدمير المصالح البريطانية في تلك المناطق الحساسة. ولا يسع الحكومة البريطانية أن تترك إمبراطورية مصرية عربية واسعة تمتد من جبال طوروس إلى أقاصي السودان، وتتحكم في الطريقين الهامين الموصلين إلى الهند.

وقد بدأ التدخل الإنجليزي يأخذ طابع التهديد منذ نوفمبر 1838 عندما كلف اللورد بالمرستون الكولونيل كامبل الممثل البريطاني في مصر بأن يستفسر من محمد علي رسمياً عن مدى تفكيره في مدّ سلطانه في مناطق الخليج الفارسي. وقام كامبل بمهمته، ثم أرسل إلى بالمرستون ينبئه أن الباشا قد أكّد أن ليس لديه أي تفكير في مد سلطانه على الخليج وأن ليس لديه أي نيّة لإتيان أي عمل يتعارض مع المصالح البريطانية.

والواقع أن هذا الجواب كان رداً دبلوماسياً ولا يمثل الحقيقة، فقد كانت تحركات القوات المصرية في الحسا والقطيف والاتصالات الدائرة بين قائد هذه القوات خورشيد باشا وأمير البحرين تبين بوضوح أن النية كانت متجهة إلى السيطرة على البحرين. وقد تأكدت هذه النية من تقارير ممثلي الهند البريطانية، بل وانتشرت الإشاعات التي بلغت أسماع الحكومة البريطانية في تقرير أرسله اللورد بونسنبي سفيرها في الآستانة، يقول فيه: إن تقدم القوات المصرية في الخليج يهدد ولاية بغداد ذاتها، لأن ظروف تلك الولاية تساعد على الاستيلاء عليها بسهولة حيث يستطيع محمد علي تحقيق حلمه في نهري دجلة والفرات والخليج الفارسي، مما يؤثر تأثيراً مباشراً على المصالح البريطانية في الهند، وهو -أي محمد علي- "يخفي أطماعه في ولاية العراق في الوقت الحاضر، ولذلك تتجه قواته نحو الجنوب في نجد. وقد استطاع أن يفرق بين السعوديين لتسود قوته في الجزيرة العربية بتعيينه أحد أمرائهم، خالد بن سعود، من قبله حاكماً على نجد".

لذلك كله رأى بالمرستون أن يبدأ بإنذار محمد علي، فكتب إلى كامبل يكلفه بمقابلته ويخبره "إن الأنباء التي تلقتها حكومة جلالة الملكة من بغداد تقول إن القوات المصرية على وشك تجاوز الجزيرة العربية من الحسا والقطيف بقصد الاستيلاء على جزيرة البحرين الواقعة على الخليج الفارسي، إني أطلب منك أن تسأل محمد علي إن كان هذا صحيحاً، وأن حكومة جلالة الملكة ترجو بل وتعتقد أنه لاعتبارات قوية يجب أن يبعد الباشا عن ذهنه أي اتجاه نحو تدعيم نفوذه في الخليج الفارسي، لأن هذه الخطة من جانبه -كما سبق لك أن بينت له- لن تنظر إليها الحكومة البريطانية بعدم المبالاة"[36] .

وفي الوقت نفسه يمم الكابت هنل، القنصل الإنجليزي المقيم في الخليج من جزيرة (خارك) شطر جزيرة البحرين في 5 يونيو 1839، حيث اجتمع بالأمير عبداللَّه أحمد آل خليفة، وسأله عن الأسباب التي جعلته يتعاقد مع المندوب المصري محمد رفعت ويقبل السيادة المصرية، ويدفع الأتاوة السنوية لمصر. فأجاب أمير البحرين بأنه تعاقد مع حكومة محمد علي لأسباب ثلاثة هي:

1- لقد تم استيلاء المصريين على الساحل العربي للخليج الفارسي المواجه لجزيرة البحرين وأنه لا غنى له عن ذلك الساحل.

2- ليست له مقدرة على عدائهم ولا الوقوف في وجوههم.

3- لم يقم المصريون بأي عمل يضر بمصالح البلاد التي حكموها. ثم أضاف قائلاً للكابتن هنل: "إن صرتم أصدقاء للمصريين فأنا تابع لهم وصديق لكم، وإن صارت بينكم وبينهم عداوة فأنتم وهم ملوك"[37] .

فأخذ المندوب الإنجليزي يشجعه على فسخ الاتفاق مع حكومة مصر، ووعده بأن يرسل إليه بعض الجنود البريطانيين يقيمون في قلعة البحرين للمحافظة عليها، ويضع سفينتين حربيتين أمام البحرين لحمايتها، وأن "يمنحه الحماية من طرف الحاكم العام في الهند، وألاّ يجبى منه زكاة ولا جمركاً وأن تبقى حكومة البحرين كما هي بيد آل خليفة"[38] .

ولما كان أمير البحرين قد سبق له أن طلب حماية الإنجليز ضد هجوم القوات المصرية، فقد ظن هنل أن باستطاعته أن يقنعه بقبول تلك الحماية، ولكن عبداللَّه آل خليفة رفضها هذه المرة قائلاً: "إني وإن كنت طلبت منكم الحماية من قبل، ولكني لم أقل إني أكون من جملة رعايا الإنجليز. وثانياً كان طلبي الحماية من خوفي من عسكر محمد علي باشا، أما اليوم فقد تصالحنا ولله الحمد مع خورشيد باشا وربطنا الصلح بشروط وإننا منذ القديم مشتركون مع أهل نجد جيراننا في التجارة فلا يمكن أيضاً أن نفترق عن مالنا وملكنا"[39] .

ولم يجد الكابتن هنل بداً من التهديد وحذره من التمادي في سياسة الاستسلام للمصريين، وأنه سوف يبلغ ردّه غير المرضى إلى الحاكم العام في الهند، ثم سلمه إنذاراً مكتوباًن جاء فيه أن اتفاقه مع المصريين "مخالف للقرار الكائن بين عبداللَّه بن أحمد وبين حضرة السركار من سنين مضت، وأن ذلك مخالف أيضاً للكتاب الصادر من طرف سعادة محمد علي باشا إلى أو منه إلى الحكومة الإنجليزية بأن عساكره لا تتعدى على بلاد العرب المتصلة بالخليج الفارسي"[40] .

وهكذا كانت السلطات البريطانية تعمل بكل ما وسعها من الجهد لمنع أمير البحرين من الرضوخ لمطالب خورشيد، ومنع امتداد السيطرة المصرية على البحرين. وكان على رسولهم الكابتن هنل أن يمارس الضغط عليه ليمنع الكارثة، ولا سيما أن خورشيد لن تصل إليه تعليمات محمد علي بشأن البحرين بعد الإنذار الإن<

مقتطفات عن الامراض الوبائية

مقتطفات عن الأمراض الوبائية
حول السِجل الصحّي للمنطقة الشرقية
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 5:15 ص - العدد (1)
 

لعبت الأمراض الوبائية في بعض الأحيان أدواراً هامة لا تقل تأثيراتها عن الأحداث السياسية العاصفة. فقد تعرضت مناطق شرق المملكة وبسبب اتصالها التجاري مع العالم الخارجي (الهند وفارس والعراق وغيرها) إما بشكل مباشر أو غير مباشر، للكثير من الأمراض الوبائية التي أتت على جمهرة غفيرة من السكان قتلاً، الأمر الذي كان يعرض عدد السكان الى التناقص، بسبب كثرة الوفيات وكثرة المهاجرين من المناطق الموبوءة أيضاً.

وكما في القرون الماضية، كانت الأمراض الوبائية منتشرة، كالكوليرا والطاعون والجدري والأنفلونزا، والتيفوئيد، والملاريا، ولم تكن هناك سُبل لمكافحتها الاّ في العقود الأخيرة حين توفرت اللقاحات والتطعيمات، فيما كان الحل الوحيد المتوفر في العقود الخوالي: الحجر والعزل أو الفرار! هذه كانت الحلول الوحيدة المتاحة.

ولم تكن واحتا القطيف والاحساء لتسلما في كل عام من واحد من الأمراض الوبائية تلك، التي غالباً ما تأتيها من الهند أو أفريقيا أو من العراق، وفي بعض الأحيان يجتمع إثنان من الأوبئة ليفتك بالسكان كالطاعون والكوليرا.

كانت الأوضاع الصحية سيئة للغاية، وكان الجدري والحصبة والتراخوما والملاريا والسعال الديكي والسل والأمراض المعوية من الأمراض الشائعة، وكذلك الأنفلونزا وأمراض الحصى في الكلى. غير ان السرطان والأمراض القلبية لم تكن معروفة. وبسبب هذا التعرّض المستمر للأمراض، ظهرت بعض التسميات لسنين كان فيها فتك الأوبئة شديدا، حيث سميت سنة 1919 ، الموافق 1337 هـ بسنة الرحمة، وهي السنة التي توفي فيها أمير القطيف عبد الله بن عبد الرحمن آل سويلم، وهي السنة التي توفي فيها ابن الملك الراحل عبد العزيز البكر، تركي، وكلاهما توفيا بالأنفلونزا أو ما يسمّى بالحمّى الأسبانية، كما توفي بسببها خلق كثير في القطيف.

ومن جهة ثانية، فإن المنطقة الشرقية كانت دون غيرها عرضة لنوعية من الأمراض أكثر من غيرها. تاريخياً كان هناك تضخم الطحال، قيل أنه بسبب الملاريا، فكان يقال: حمّى خيبر، وطواعين الشام، ودماميل الجزيرة، وطحال البحرين، حتى قال الشاعر:

ومن يسكن البحرين يعظم طحاله
 ويغبط على ما في بطنه وهو جائع
 

وكان هناك مرض التراخوما الذي يشبه الوباء، إن لم يكن الوباء بعينه، إذ أن الإصابة به شديدة وبنسبة عالية، لدرجة أن بعض الأخصائيين قدّر نسبة المصابين بين الرجال بهذا الداء بصورة مباشرة أو عرضية بنحو ثلث عددهم. والطريف أن الكثيرين من داخل المملكة وخارجها، لاحظوا أن المصابين بعمى العين الواحدة والإثنتين كثيرون، وهذا لا يشمل سكان الأحساء بقدر ما يشمل سكان القطيف، حيث كانت المدينة مناخاً مناسباً لشيوع المرض، حيث الرطوبة بسبب قربها من البحر، وحيث المستنقعات القريبة من الأماكن السكنية، إضافة اتساخ المدينة وضيق شوارعها ومساكنها، ونقص الضوء والتهوية في كثير من أحيائها، إن لم يكن أكثر أحيائها.. كل هذا جعل سكان القطيف عرضة للإصابة بمرض التراخوما، وكانت لشركة أرامكو جهوداً طيبة في مكافحته، والقضاء عليه.

ومن الأمراض التي اشتهرت بها المنطقة، ولاتزال متأثرة به بأعلى نسبة عالمية: مرض السكلسل (فقر الدم المنجلي) ويرجع سبب ذلك بدرجة أساسية الى (زواج الأقارب).

ومهما يكن من أمر، فإن سجل المنطقة الشرقية الصحّي غير واضح المعالم، خاصة وأن الطب الحديث دخلها متأخراً، وإذا ما استعصى المرض على الأطباء الشعبيين ذهبوا الى البحرين ليتعالجوا في مستشفى الإرساليات، او الى الهند، بل أن بعض أطباء تلك الإرساليات كان يداوم على زيارة المنطقة الشرقية (الأحساء والقطيف) وفي بعض الأحيان الرياض، ليجروا عمليات جراحية لأمراض قد لا تكون معروفة، وليقدموا الأدوية غير التقليدية للمرضى.

إن الكشف عن سجل المنطقة الصحي، ضروري ومهم، مثله في ذلك السجل الصحي للفرد أو العائلة. فيما يلي ملامح سجل الأمراض الوبائية التي مرت بالمنطقة الشرقية أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقد اقتطفت من مصادر وثائقية سجلت من قبل المعتمدية السياسية البريطانية في البحرين.

 

(1)

V\23\61

FOR  1891 - 1892

الإسهال والإنفلونزا قتلا الكثير من البشر خلال العام في الأحساء.

أما القطيف فقد ظهر فيها الجدري.
 

 

(2)

V\23\65

FOR 1893 - 1894

ظهرت الكوليرا في البحرين في يوليو 1893، ثم انتشرت بشدة، كان عدد المتوفين يومياً يصل الى 150 شخصاً. وفي نهاية أغسطس 1893 تمت السيطرة على الوباء أو توقف يعد أن راح ضحيته نحو سبعة آلاف شخص. يحتمل ان يكون الرقم مبالغ فيه.

ايضاً انتشر وباء الكوليرا في القطيف، واستمرّ مدّة شهر (بين يوليو وأغسطس 1893). معدل الوفيات كان 10 ـ 15 شخصاً يومياً، ووصل في بعض الأحيان الى 50 ـ 60 شخصاً يوميا(1).
 

 

(3)

V\23\81

FOR  1902 - 1903

انتشر وباء الجدري بشدّة جداً في شيراز في أشهر الصيف لعام 1902، وفي الشتاء وصل الى بوشهر.
 

 

(4)

 V\23\82

ADMINISTRATION REPORT ON THE PERSIAN GULF POLITICAL AGENCY. FOR  1903 - 1904

تفشى الطاعون في البحرين خلال العام. أول ما ظهر كان في الأسبوع الأول من مايو 1903، واستمر الوباء في الإنتشار حتى نهاية يونيو. يقدر عدد المصابين بـ 600 شخص، توفي منهم 301 ، غير أن هذه الأرقام ليست دقيقة. قيل أن الأحساء وصلها المرض في بداية أبريل 1903، وتفشى بشكل معتدل، وفي نهاية أبريل توقف، ويقال أن القطيف قد أصيبت بوباء الطاعون.
 

 

(5)

R\15\6\504  NEG  7464

FOR  1904 - 1905

في صيف 1904 اصابت الخليج عدة اوبئة:

الطاعون: ظهر في مايو ويونيو 1904 وأصبح وبائياً جنوب فارس ولنجه.

الكوليرا: وظهر في البصرة وانتشر جنوباً وفي بداية مايو أصاب البحرين والمحمرة، وقتل من الإيرانيين خلق كثير في كرمنشاه وطهران وأصفهان وقم وشيراز.
 

 

(6)

R\15\6\505

FOR 1905 - 1906

انتشر وباء الطاعون في البحرين في بداية مايو 1905 وقتل خلقاً كثيراً بينهم شريدة بن علي الكاتب السري للمعتمدية. ومن الذين فقدوا ذويهم مقبل الذكير التاجر الكبير، ويوسف بن كانو، وعبد العزيز اوازي التاجر الفارسي. وقد وصل وباء  الطاعون الى غواصي اللؤلؤ.
 

 

(7)

R\15\1\710

FOR 1907 - 1908

ضرب الطاعون البحرين بين 19 ابريل و4 يوليو 1907، وقد جاء الوباء كالعادة من الهند . ونتيجة ذلك هاجر العديد من شيعة البحرن الى القطيف في خريف 1907، وربما نقلوا معهم المرض .
 

 

(8)

R\15\1\710

FOR 1909

ضرب الطاعون البحرين عام 1909 بشكل خفيف مدة 47 يوماً في شهر مايو، كما انتشر مرض الملاريا. تضاعف عدد الذين دخلوا المستشفى وبينهم أناس من قطر والقطيف (المستشفى هو VICTORIA  MEMORIAL HOSPITAL بالمنامة).
 

 

(9)

I.O.R  R\15\1\711

FOR  THE  YEARS  1911 - 1914

(العام 1911)

لا يعتبر الوضع الصحي في موانيء الخليج مرضياً بسبب الأمراض الوبائية.

فبوشهر أصابها الطاعون (ابريل ـ يوليو) وتوفي 97 شخصاً.

والبحرين أصابها الطاعون (من اول مايو حتى نهاية يوليو) وقتل الوباء 1895 شخصاً. ثم ما لبث أن أصابها الكوليرا (نهاية نوفمبر ـ نهاية ديسمبر) وقتل 265 شخصاً.

وقتل الطاعون في دبي 2000 شخصاً بين مايو ويوليو.

وضربت الكوليرا المحمرة وعبادان وفيلية فقتلت 209 (نهاية يونيو ـ منتصف نوفمبر).

كما وصلت الكوليرا الى البصرة وموانيء تركية / عثمانية اخرى كالقطيف ودارين وقد أعاقت حركة المتصرف الذي كان حينها يخطط لزيارة ميناء العقير وقصر الصبيح (الجبيل)، كما أصاب الوباء عربستان، ومقاطعة أهواز وشوشتر ودزفول ورام هرمز.

أيضاً فإن البحرين أصابتها الكوليرا في عامي 1909 و 1910.

* المبشر الدكتور س. م. زويمر كان في البحرين عام 1911، وزار القطيف في نفس العام وكذلك العقير وبندر لنجه وبغداد.

 (لعام 1914)

من التبشيرية الأميركية في البحرين، قام الدكتور هاريسون بعدّة زيارات الى القطيف وكان يرافقه فيها السيد والسيدة فان برسم VAN  PEURSEM .
 

 

( 10 )

R\15\1\712

FOR 1915 - 1919

(لعام 1915)

ظهر الطاعون في البحرين في 22 ديسمبر 1914، ولم يمت حتى 7 يونيو 1915، مخلّفاً نحو 5000 قتيل.

(لعام 1917)

في مارس 1917 انتشر وباء الطاعون واستمر حتى يونيو وكانت المحصلة في البحرين وحدها 1393 ضحية.

* في 9 يوليو 1917 غادر الدكتور هاريسون البحرين الى الأحساء والرياض حسب طلب ابن سعود وعاد في 14 أغسطس. ثم غادر في 26 ديسمبر الى القطيف.

(لعام 1918)

في البحرين في نوفمبر 1918 جاءت الحمى (الانفلونزا) واستمرت 6 اسابيع وقتلت 1500 شخصاً. في هذه الحمّى مات تركي بن عبد العزيز في الأسبوع الثالث من ديسمبر 1918.

(لعام 1919)

قام الدكتور هاريسون وزوجته من الإرسالية العربية، بزيارة:

الأحساء في 17 ابريل 1919 وعاد في 31 مايو 1919

دارين والقطيف في 19 يوليو 1919 وعاد 23 أغسطس 1919

الأحساء في 15 سبتمبر 1919 وعاد في 24 سبتمبر 1919.
 

 

(11)

R\15\1\713

FOR  1920 - 1924

(لعام 1922)

استمر ظهور الجدري في البحرين طوال العام، ولكن انتشاره كان معتدلاً، غير ان الأنفلونزا تفشّت كوباء في فصل الصيف الحار.
 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) يبدو أن عام 1893، كان بداية لاجتياح الطاعون بلدان عديدة في العالم. وقد بدأ الوباء في هونغ كونغ والصين، وأخذ بالإنتشار خلال السنوات العشر التالية عن طريق السفن التجارية التي تنقل البضائع ومعها الفئران المصابة الى أكثر من 87 مدينة ساحلية في العالم، بمعنى أنه انتشر في كل أنحاء العالم. وكانت الهند أكثر الدول تضرراً إذ فقدت عدّة ملايين من سكانها، كما انتشر الطاعون في شرق أفريقيا وفي الإسكندرية ودلتا النيل ووصل الى سيدني باستراليا وروسيا وسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، وقدّر ضحايا الطاعون (الموت الأسود) نحو 12 مليون إنسان.

انظر المجلة العربية، عدد ذي القعدة 1415هـ، مقالة: الموت الأسود، هل يستيقظ من جديد؟ للدكتور محمود محمد باكير.


*مجلة الواحة

مذكرات حول النشاط التبشيري في شرق الجزيرة العربية

مذكرات حول النشاط التبشيري في شرق الجزيرة العربية
التحرير - 19 / 5 / 2008م - 4:01 م - العدد (12)
 

عودة إلى المبشرين والتبشير في منطقة الخليج.. فقد نشرت (الواحة) في عددها الأول، معلومات ومذكرات حول النشاط التبشيري في شرق الجزيرة العربية. وألمحنا في ذلك العدد إلى مذكرات المبشرة التي أسمت نفسها (شريفة) ومارست مهنة التمريض كبقية العاملين في الإرسالية الأمريكية في البحرين، باعتبار الأهمية القصوى لتلك المهنة، التي لا غنى للمرضى عنها، وبالتالي يمكن التسلل عبر النشاط الإنساني في مجال الخدمات الصحية، إلى الترويج إلى عقائد المسيحية بين السكان في شرق الجزيرة العربية وغيرها.

وها نحن هنا أمام كتاب آخر، حوى ترجمات لأهم المقاطع في مذكرات المبشرين العاملين في الإرسالية الأميركية على امتداد مناطق الخليج العربي والتي تمت في مجملها في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين.

الكتاب الجديد، حمل عنوان: صدمة الاحتكاك: حكايات الإرسالية الأميركية في الخليج والجزيرة العربية (1892 - 1925) وصدر عن مكتبة الساقي، لندن 1998، وهو من إعداد وترجمة الأستاذ خالد البسام.

هذه المقاطع المستلة من الكتاب هي مجمل ما ورد فيه عن الرياض والأحساء والقطيف. وهناك فقرات لم ننشرها في العدد الأول من (الواحة) وهي المتعلقة بمذكرات المبشرة (شريفة)!!

هاريسون في الأحساء عام 1919:

 

لا أحد يفكر في السرقة.. ابن جلوي هنا!

كانت منطقة الأحساء في الجزيرة العربية أحد الأماكن المفضلة لدى طبيب الإرسالية الاميركية بول هاريسون. وبسبب هذا التفضيل، كان يقوم بزيارتها بين فترة وأخرى. مرة للعلاج، ومرات لكتابة التقارير عنها، ومرات أخرى للتبشير غير المعلن. وفي شهر أيلول/ سبتمبر من العام 1919 قام هاريسون بزيارة إلى الأحساء، وكتب عنها يقول: "لقد انتهى الوقت الذي كانت الأحساء فيه تحكم بواسطة الأتراك. فالناس هنا أصبحوا ينظرون إلى تلك الفترة على أنها أيام مظلمة". ويضيف: وفي الحقيقة، فإنه من الصعوبة تصور الوضع الصعب للأحساء بالنسبة إلى التفكير الغربي. فالحكام الأتراك كان لديهم طموح واحد وهو إثراء أنفسهم. وفي هذا المجال، يمكن القول: إنهم نجحوا بمشقة. وبجانب الأتراك، فإن البدو الجوعى في الصحراء كانت لديهم الرغبة في ذلك أيضاً، ولكن لأسباب مختلفة. وجميعهم -البدو والأتراك- حققوا نجاحاً شاقاً، ولكن على حساب حياة الناس الفقراء في الأحساء، الذين يعيشون وسط بساتين النخيل، وفي ظل عبودية قاسية. وحتى سبع سنوات مضت، كانت هذه الحالة هي الوضع المسيطر في الأحساء. لكن خروج الأتراك ومجيء حكم آل سعود غير الوضع تماماً. ففي أيام الأتراك، كان سكان الأحساء ينهبون ويسرقون، ويقتل بعضهم بعضاً، والأغنياء يضطهدون الفقراء. وكان بدو الصحراء -الذين يعتبرون أرواحهم من ارخص الأشياء في الدنيا- يعتبرون الأحساء مصدراً رئيسياً لرزقهم، ومن الأماكن السهلة للنهب والسرقة.. وقد لاحظت التغير الكبير في الأحساء بنفسي. ففي رحلتنا الأخيرة، التي قطعنا فيها الصحراء لمدة خمسة أيام، لم يكن معنا أي حارس أو جندي، رغم أن قافلتنا كانت كبيرة نسبياً. لكنني شعرت بالتغير والأمان الكبير عندما ضرب أحد المرافقين بعصاه على حمولة أحد الجمال، التي تتكون من 40 ألف روبية قضية، وسمعنا النقود وهي تخشخش ويصطك بعضها ببعض.

وبسرعة، التفت إلينا قائد القافلة قائلاً: لا أحد يفكر في سرقة أي شيء الآن، منذ أن أصبح ابن جلوي حاكماً هنا.

وأكمل: لقد تضاعفت قيمة تمور النخيل ثلاث مرات أكثر مما كانت عليه أيام الأتراك، وازداد بيعها مرات كثيرة، وازدهرت تجارة البلاد ازدهاراً كبيراً.

وبجانب كلام قائد القافلة، فإن الأحساء أكثر المناطق المرشحة للازدهار، لأنها البقعة الخضراء لكل الجزيرة العربية، وكل ما تحتاج إليه هو حكومة جيدة.

وفي أحد الأيام، كنا نراقب مشهداً غير مألوف في مجلس حاكم الأحساء ابن جلوي. فقد دخل أحد البدو، وقال لابن جلوي بدون مقدمات: لقد رأيت كيساً من القهوة ملقى في الشارع قبل مجيئي إليكم.

وفي الحال رد عليه الحاكم:

- ولكن كيف عرفت أنها قهوة؟

أجاب:

- ضغطت على الكيس بإصبع رجلي الكبيرة، لكي أعرف ما فيه، فعرفت أنها قهوة.

وقال ابن جلوي:

-  جينما ترى كيساً ملقىً في الطريقن يجب عليك أن لا تضع إصبعك عليه. عليك أن تتركه وحده.

ثم قال لخادمه:

- اذهب وأحضر مرزوقاً.

وحضر الجلاد بدون أي تأخير، وحينها قال الحاكم:

- اقطعها.

ومنذ ذلك الوقت فقد البدوي إبهام رجله!

إنني ما زلت أتذكر أول مرة قابلت فيها ابن جلوي، الشخصية اللافتة للنظر. فقد سمعت عنه الكثير، وكانت مقابلتي الأولى له مثيرة، وخرجت منها مسروراً. في البداية، كان غير موافق على حضوري إلى الأحساء، وأعتقد أنه كان خائفاً مني بعض الشيء، مثلما كنت أنا أيضاً خائفاً منه. ولكن بعد ذلك، أصبحنا، أنا وهو، صديقين، وأعجبت به جداً.

ولم تجلب طريقة ابن جلوي في الحكم النظام والأمن للأحساء فقط، بل الازدهار الاقتصادي أيضاً. وقد شاهدنا ذلك عملياً.

فيوم الخميس، هو يوم سوق كبير في الأحساء. وإليه يأتي سكان جميع القرى الخارجية. ومن الواضح أن جميع رواد السوق مصممون على بيع أي شيء وشراء أي شيء أيضاً. إنه مشهد رائع وفاتن، ويصعب وجود مثل له في أي مكان بالجزيرة العربية. وعلاوة على ازدحام السوق بالناس، فهو أيضاً مليء بنوعيات مختلفة من البشر، حيث يأتي إليه مزارعو النخيل وبدو الصحراء والتجار المقيمون والمسافرون وغيرهم.

وبجانب مشاهداتنا وزيارتنا لابن جلوي كان عملنا الطبي يسير سيراً جيداً. فقد كان اختيارنا لأحد البيوت أحد أسباب النجاح. ورغم أن البيت كان صغيراً، إلا أنه كان يكفي لإقامة خمس عائلات. وقبل أن يمضي أسبوعان على إقامتنا، كان عدد المرضى يتجاوز الأربعين شخصاً. وفي أحد الأيام، قام الحاكم ابن جلوي بزيارتنا بنفسه، وأبدى إعجابه بعملنا، وبالطبع، فقد أعطت هذه الزيارة دفعة قوية لعملنا بين الناس.

وشخصية حاكم الأحساء ليس بها غموض. فابن جلوي يجلس في مجلسه وحيداً أعزل تماماً وبدون حرس أو حاشية.

وقد اندهشت جداً، في إحدى الليالي بمجلسه، عندما استمعت إلى جدل سريع بينه وبين أحد البدو. ففي تلك الأيام، كانت تدور حرب طاحنة بين ابن سعود وشريف مكة. وكان ابن جلوي يعاتب البدوي على موقف قبيلته من تلك الحرب. وجرت بينهما مناقشة ساخنة، حسمها ابن جلوي بعد فترة.

لقد عين ابن جلوي حاكماً للأحساء قبل سبع سنوات مضت، استطاع خلالها إقامة حكومة جيدة وقوية. لكنه، ومنذ تعيينه، لم يطلب إجازة، وإن تكن قصيرة، ولم يغادر العاصمة (عاصمة الأحساء) ولو ليوم واحد. مرة واحدة فقط غادرنا للترحيب بابن سعود، الذي جاء لزيارة الأحساء. ولكن ذلك لم يستغرق سوى خمس دقائق فقط.

هاريسون يفتتح عيادة في الرياض عام 1917:

 

زيارة نجد حلم انتظرناه طويلاً

لم يكن أمام الإرسالية الأميركية في البحرين، عند نهاية شهر آب/ أغسطس 1917 خيار سوى تلبية الدعوة التي وصلت من عاصمة نجد "الرياض" التي تطلب القيام ببعض الأعمال الطبية.

وقتها، كان الحلم والأمنية الغالية لأي طبيب أو مبشر في الإرسالية، الذهاب إلى نجد، وزيارة هذا المعقل الحصين. وهكذا، جاءت الدعوة لتحقيق الحلم الذي طالما انتظره الطبيب بول هاريسون. وكتب عن تحقيق هذا الحلم في مجلة الإرسالية قائلاً:

هذه الدعوة المفاجئة حقاً، جاءت نتيجة الأعمال الطبية التي قامت بها الإرسالية طوال السنوات الماضية، في مدن وقرى الأحساء، والسمعة الطيبة التي حصلت عليها نتيجة لذلك. وإضافة إلى ذلك، فقد وجدنا أنها ستكون بداية لعملنا المرجو في وسط الجزيرة العربية.

ولكل هذا، تم الاستعداد للقيام برحلة الرياض في غضون 48 ساعة فقط، على الرغم من انشغال مستشفى الإرسالية، ونقص عدد الأطباء والممرضين فيها. وهكذا تم كل شيء بسرعة، واستطعت اصطحاب أحد المساعدين معي في الرحلة.

وفي اليوم الثالث بعد وصول الدعوة، أبحرنا صباحاً فوصلنا إلى الأحساء في اليوم التالي، حيث كانت محطتنا الأولى في الطريق التي توقفنا فيها خمسة أيام.

وكان بقاؤنا في الأحساء ضرورياً للاستعداد لرحلة الرياض الطويلة، والاتفاق مع إحدى القوافل الذاهبة إلى هناك.

وعلى الرغم من طول فترة بقائنا المؤقتة في الأحساء، إلا أننا قضينا فيها أوقاتاً سارة. فالأحساء واحة جميلة، تنتشر فيها المياه الحلوة في كل مكان، حتى أنها لتفيض عن حاجات الاستهلاك وري البساتين.

وبسبب هذه المياه الحلوة، نجد أن القمح وحتى الأرز، يزرعان هناك في مناطق ليست قليلة. أما بساتين النخيل، فهي ممتدة لأميال في جميع الاتجاهات. وإلى جانب النخيل، تتوافر في أماكن كثيرة أشجار التين والرمان والمشمش والخوخ وغيرها من الفواكه. وتباع جميع هذه الفواكه والخضراوات بأسعار زهيدة. ولأن الأحساء هي مركز تجارة الرطب في الجزيرة العربية، فإن آلاف البدو يأتونها في موسم الجني.

وعاصمة الأحساء هي مدينة "الهفوف"، وإلى جانبها تقع مدن عدة، يسكنها ما بين 30 و 40 ألف نسمة. وهناك حوالي سبعين قرية أيضاً تقع وسط بساتين الحساء. وبعض هذه القرى تعد مسكناً لبضعة آلاف من سكان الأحساء.

وعلى الرغم من أن الجو في الأحساء جميل، ويتزامن مع ليالٍ باردة جافة حتى في الصيف الحار، إلا أن المنطقة فيها بعض الحالات المحدودة من الملاريا، ولكنها تبدو أقل بكثير من الحالات الموجودة في البحرين.

وأكثر من ذلك، فقد وجدنا في أثناء جولاتنا في القطيف، أن الناس فيها ليسوا متعصبين.

وبعدما انتهت ترتيبات السفر، سافرنا بواسطة الجمال إلى الرياض. طبعاً، كانت الرحلة متعبة وطويلة، ولم ألاحظ شيئاً طوال الطريق سوى الجو الحار الذي جعل السفر شاقاً. لكن السفر في هذه البلاد، ليس صعباً دائماً. ففي الربيع، تكون الرحلات لطيفة عبر الأراضي المهجورة، الخالية من الحياة.

وفي اليوم الخامس من رحلتنا، وصلنا إلى الرياض. ومنذ اليوم الأول لإقامتنا، استطعنا افتتاح عيادة صغيرة لمعالجة الأهالي الذين راحوا يتوافدون علينا.

وعلى الرغم من انشغالي طوال الوقت بالمعالجة والتطبيب، إلا أنني استطعت سرقة بعض الوقت للتجول في هذه المدينة، التي عشنا سنوات طويلة نحلم بمشاهدتها.

والرياض، كمدينة، هي في الواقع صغيرة، وربما كانت أصغر من مدينة "العمارة" العراقية. ولكن بساتين النخيل التي تحيط بها، تعطيها بعض الجمال.

وتروى مساحات البساتين التي يعمل فيها معظم سكان المدينة تقريباً، بواسطة آبار حفرت على عمق يصل إلى 40 قدماً.

وقرب الرياض، هناك مناطق عدة خصبة أيضاً، بل يوجد هناك بعض المدن القريبة منها، تجعل الرياض نفسها تبدو مركزاً للتجمع السكاني في المنطقة كلها. وهي، على العموم، مسألة سهلت كثيراً من مهامنا الطبية، كما جعلت من إقامة مستشفى فيها موضوعاً سهلاً.

وبسبب ذلك، تبدو الأهمية الكبرى لمدينة الرياض في كونها أصبحت المركز السياسي والديني في الجزيرة العربية. فسلطة الحاكم الحالي، ابن سعود، تمتد إلى جميع أراضي وسط الجزيرة العربية. وهي سلطة تنمو باطراد أيضاً. والرياض كذلك صارت مركزاً للتعليم الإسلامي، الموجود في كل مدينة وقرية في نجد. وهكذا يأتي إلى المدينة ، كل يوم، مئات البدو من كل مكان، حيث يسكنون في بيوت الضيافة الملكية التي تتسع لـ 15 ألف شخص تقريباً.

والرياض هي أيضاً مركز الحكومة السعودية الحالية، وفيها تدار جميع أعمال القبائل البدوية المتحالفة مع ابن سعود. كما يوجد فيها آلاف من البدو المنضمين للقتال. وهناك رجال آخرون يرسلون في مهمات تعليمية إلى مناطق أخرى.

وفي الأيام الأولى من إقامتنا في الرياض، واجهتنا بعض الصعوبات في العمل الطبي، لكننا، مع الوقت والأيام، قمنا بواجبنا بأفضل ما يمكن القيام به في تلك الفترة. واجهتنا فقط حالتان صعبتان لإزالة الحصى، وحاولنا، طبعاً، بذل كل ما نستطيع، إلا أن المريضين توفيا رغم كل شيء.

وعلى الرغم من المطالبة الكبيرة للمرضى والأهالي لنا بالبقاء، إلا أننا توقفنا عن العمل بعد عشرين يوماً بسبب انتهاء مخزون الأدوية الطبية، ولكننا مقابل ذلك طالبنا المرضى والأهالي المحتاجين إلى العلاج بالمجيء إلى مستشفى البحرين للتداوي.

وبعد عشرين يوماً، غادرنا الرياض، بعدما حصلنا على دعوات ودية للمجيء في السنة المقبلة، ولفترة أطول.

القس بنينجس في القطيف 1918:

 

عيون وبساتين في كل مكان

في بداية العام 1918، رافق المبشر القس ج. بنينجس الطبيب بول هاريسون، في رحلة إلى القطيف. كان الهدف من الرحلة طبياً وتبشيرياً، كعادة رحلات الإرسالية الأميركية في منطقة الخليج.

وكتب المبشر عن رحلة القطيف في مجلة الإرسالية قائلاً:

لم أتردد لحظة واحدة في قبول دعوة الدكتور بول هاريسول، لمرافقته في زيارة القطيف، لإجراء بعض الترتيبات فيها، من أجل العمل الطبي للإرسالية الأميركية. بل إنني، في الواقع، شعرت بسعادة عظيمة لهذه الدعوة، التي ستجعلني أرى القطيف الواقعة في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية، للمرة الأولى في حياتي.

وفي صباح أحد أيام شباط/ فبراير 1918 الدافئة، ذهبنا إلى ميناء المنامة في الموعد المحدد، وهو العاشرة صباحاً. وعندما مضى بعض الوقت، أيقنت أن السفينة ستتأخر، كالعادة. فمغادرة هذه السفن في موعدها المحدد يعتبر نوعاً من المعجزات، ولذلك فهي مشهورة بعدم دقتها إلى درجة أن المسافر عندما يركب فيها، تجده ينتظر ساعات طولاً، وأحياناً أياماً عدة.

ولكن لحسن الحظ، كان هناك استثناء لهذه القاعدة. فلم يمض وقت طويل على وجودنا في السفينة، حتى نشر البحارة الشراع، وأبحرنا في لحظات.

وطول اليوم، راحت السفينة تنطلق ببطء. وعندما أطبق الظلام علينا، لم نكن قد قطعنا أكثر من 15 ميلاً، وأصبحنا خارج أفق البحرين بصعوبة.

وعندما أصبح الوقت ظلاماً حالكاً، بالنسبة إلى قبطان السفينة، لم يستطع مواصلة السير، وبالتالي قيادة السفينة، فأعطى أوامره بإلقاء المرساة. وهكذا وجدنا أن موعد النوم قد حان، فوضعنا فرشنا مع بقية المسافرين الأربعة، واستغرقنا في النوم.

وفي الفجر استيقظنا مبكرين على صياح قائد السفينة:عبداللَّه.. عبدالله.. ولكن لم يكن هناك أحد يجيبه. وعند ذلك، صرخ بصوت عالٍ قائلاً: "عبداللَّه.. قم وصلِّ". وفي الحال، نهض البحار عبداللَّه ومعه بقية البحارة من نومهم، ثم راحوا يتوضؤون بمياه البحر الباردة، تمهيداً لتأدية الصلاة. وحيث وجدوا مكاناً يكفي لسجودهم، أدوا صلاتهم.

بعد انتهاء الصلاة، تم رفع شراع السفينة. ومرة أخرى، كانت الرياح خفيفة. لكنها كانت أفضل من اليوم السابق، ولذلك، استطعنا الوصول إلى دارين في حوالي الثالثة بعد الظهر. ولأن وجهتنا الأصلية كانت القطيف، التي تبعد  ثلاثة أميال من دارين، كان لزاماً علينا الانتظار لبعض الوقت في دارين. وهناك وجدنا فترة الانتظار فرصة للذهاب إلى الساحل -خصوصاً بعد الجزر- للسلام على الشيخ جاسم، شيخ دارين. وقد استقبلنا الشيخ جاسم بودية، وجلسنا معه بعض الوقت. والشيخ جاسم هو نفسه الذي رفض السماح للدكتور هاريسون بالدخول إلى دارين، قبل سنوات، عندما طلب ذلك للمرة الأولى، لكنه استضاف الدكتور هاريسون وزوجته لمدة ستة أسابيع في الصيف الماضي، حين استطاع هاريسون معالجة الكثير من الغواصين، الذين يعلمون في صيد اللؤلؤ.

وبعد نصف ساعة تقريباً، عدنا مرة أخرى إلى السفينة التي أبحرت حتى وصلت إلى القطيف، خلال ساعة واحدة، كانت الأحوال الجوية خلالها مملوءة بنسمات منعشة جداً.

وقد كانت مياه البحر المواجهة للقطيف قليلة العمق، وكان الجزر في الساحل يصل، أحياناً، إلى مسافة تقدر بربع ميل في بعض الأماكن. ولذلك، فإن القوارب، عند الجزر المرتفع، كانت لا تستطيع الوصول إلى أقرب من مئة قدم.

وبينما غامر الدكتور هاريسون بخوض الساحل، فضلت أنا انتظار قارب صغير ليأخذني إلى اليابسة.

ولكن بعد نصف ساعة تقريباً، أصبحت المسافة الباقية من دون مياه، ولذلك كان عليّ نزع حذائي وجواربي وأمشي على الأقدام.

وقد وجدت المشي على هذه الأرضية أمراً سهلاً، خلاف ما توقعت، ولكن عندما تسحب قدمك من الأرض الرطبة، وتمشي بها إلى أرض الساحل الرملية، فتلك حكاية أخرى.

في أي حال، وصلنا على القطيف عند غروب الشمس تقريباً. وقدم الأمير ترحيباً ودياً حاراً للدكتور هاريسون ولي أيضاً، على الرغم من أنه عرف أنني قس مسيحي.

وأكثر من الترحيب، قام الأمير بمتابعة ترتيبات سكننا هناك في فترة قصيرة جداً. وبعد انصراف الأمير، قررنا أخذ قسط من الراحة.

لكننا أصبنا بالإحباط بعض الشيء بالنسبة إلى السكن. فقد كان مدخل البيت قذراً، كما أن أقساماً كبيرة منه كانت عبارة عن خرائب، ترجع إلى أيام غابرة، وكانت بعض الجدران السليمة تشير إلى أن ذلك المبنى كانت له قصص طويلة تستحق أن تروى.

وعلى الرغم من هذا الإحباط، وجدنا أن القطيف منطقة جميلة، عندما قمنا بأولى الجولات في شوارعها وأحيائها وضواحيها. فهذه المنطقة تدين بوجودها إلى العد الضخم من العيون المنتشرة في كل مكان، فهي تبلغ، كما يقول البعض، أكثر من مئتي عين، تروي بساتين النخيل الموجودة في كل مكان.

وبعض هذه العيون كبيرة الحجم حتى أنها تصب في أربعين جدولاً كبيراً، طوال الوقت. ولذلك فإن هذه العيون تروي جميع الأراضي المحتاجة إلى المياه.

وبساتين النخيل تنتشر هناك على طول الشاطئ (15 ميلاً تقريباً). وتتناثر ما بين البساتين قرى متنوعة الحجوم. وبسبب هذه الوفرة من النخيل، فقد كانت (المنطقة) حتى وقت قريب، جنة عدن، بالنسبة إلى البدو الجياع في الصحراء، الذين كانوا لا يتعبون أبداً من عمليات النهب والسلب في أراضيها، قبل مجيء ابن سعود إل المنطقة. وفي بعض الأوقات، وأثناء موسم التمور خصوصاً، كان البدو يحاصرون بعض القرى لمدة شهر تقريباً حصاراً تاماً، ويقومون (البدو) خلال فترة الحصار بجني محصول التمور بأنفسهم، ويهربون بعد الانتهاء من ذلك. وقد عرفنا الكثير من هذه القصص من الجرحى، الذي يصابون أثناء غارات البدو عليهم، ويأتون إلى مستشفى البحرين للعلاج.

ولكن العقوبة القاسية التي فرضها ابن سعود، عند بداية حكمه للمنطقة، جعلت مسألة غارات النهب والسلب وحصار القرى، مجازفة غير مأمونة، حتى بالنسبة إلى البدو، المشهورين بالقوة والذكاء. بل أن هذه الغارات توقفت تماماً بفضل ابن سعود.

وبسبب ذلك، استطاع أهالي القطيف التنفس، الآن بحرية أكثر، بل إن الكثيرين منهم أصبحوا يبنون بيوتهم خارج سورها العالي المشهور، ذي البوابات الثلاث.

وفي إحدى جولاتنا، رأينا أن هناك مناظر جميلة جداً داخل بساتين النخيل، حيث يمكن مشاهدة جداول المياه الجارية من ينابيع قريبة. وفي وسط النخيل تنمو أشجار فاكهة متنوعة، وخضراوات. ومقابل كل عين كبيرة يوجد، عادة، مسجد صغير، وهو دلالة على قدسية المكان وضرورة الماء للحياة.

وفي اليوم الثالث من إقامتنا، ذهبنا لزيارة جزيرة تاروت، التي تبعد حوالي ميلين عن شمال شرق القطيف. وتتصل، عند انخفاض الماء في حالة الجزر،باليابسة عن طريق مخاضة، يبلغ طولها نصف ميل، شمال كوت القطيف. لذلك، كان من الممكن، بالنسبة إلينا، الذهاب إليها، مستخدمين الحمير، عند الجزر.

في تاروت، أعجبنا إعجاباً خاصاً بقلعة ضخمة مدمرة، تقع قرب ينبوع كبير. وهذه القلعة، التي بنيت قبل مئات السنين، لا تستخدم منذ زمن، ولكن برجها العالي، الذي صعدنا إليه، أمكننا من مشاهدة مناظر جذابة للبساتين المحيطة، وللقطيف عامة.

وبجانب الجولات، قام الدكتور هاريسون بمعالجة الكثير من المرضى، الذين احتشدوا حول بيتنا لأوقات طويلة. لكن بقاءنا أطول من الفترة المقررة، وهي عشرة أيام، لم يكن ممكناً لأسباب كثيرة.

وهكذا غادرنا القطيف، في الساعة العاشرة مساء، على متن مركب، كان يحمل رزماً من سعف النخيل. وعندما جلسنا في المركب، واجهتنا بعض الصعوبات المضحكة أحياناً.

في البداية، وجدنا أن العشرين مسافراً في المركب، قد احتلوا جميع الأماكن، ولذلك، كان علينا وضع فرشنا فوق رزم سعف النخيل، لننام حتى الصباح. ولكن الذي حدث، أننا قضينا ليلة متعبة جداً، بسبب سعف النخيل التي اخترقت فرشنا الرقيقة وبدت كأنها أشواك في ظهورنا طوال الليل.

في الصباح كانت الرياح مواتية، ولذلك مضى المركب بسرعة، وكنا نأمل في الوصول إلى البحرين عند غروب الشمس على الأقل، ولكن الرياح خفت فجأة، الأمر الذي جعلنا نقضي الليل مرة أخرى فوق السعف الشائكة، وتحت زخات المطر، التي تساقطت مرتين خلال الليل. لكن، عند الفجر، صارت السماء صافية والرياح مواتية. لذلك تمكنا من الوصول إلى الشاطئ البحريني عند الساعة العاشرة صباحاً تقريباً.

*مجلة الواحة

تاريخ الحرس الملكي السعودي

تاريخ الحرسالملكي نشأه وتطور

                                

 

جمع واعداد اللواء الركن / عبدالله بن محمد آل الشيخ

 

 alt

alt

 

alt

 

نبذه عامه عن تاريخ الحرس الملكي :

 

 تاريخ الوحدة العسكرية هو تقرير منظم عن سير الحوادث والوقائع التي مرت بها الوحدة منذ تاريخ إنشائها ليستطيع الدارس ربط الماضي بالحاضر . وللحرس الملكي تاريخ طويل ولكن لم يسبق أن كتب عنه ولأهمية ذلك فلقد كان لي الشرف أن كلفت من قبل قيادة الحرس الملكي عام 1419هـ بمناسبة الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية على يد المؤسس المغفور له بأذن الله الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه.. بكتابة تاريخ الحرس الملكي لكي يتمكن منسوبي الحرس الملكي من الإطلاع على تاريخ وحدتهم التي كان لها الشرف أن تتولى حراسة وخدمة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وأبنائه الملوك العظام الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد رحمهم الله وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أعزه الله ومتعه بالصحة والعافية .

 

 

 

 

 

 

(وأتشرف الان ايضاً أن أعيد كتابة التاريخ من جديد بتكليف من قيادة الحرس الملكي ووضعه في موقع الحرس الملكي على شبكة الانترنت ويكون بطريقه تواكب تطور العصر عبر التقنيه الحديثه ولكي أكتب عن تاريخ الحرس الملكي يجب أن أورد تعريف للحرس الملكي)

 

الحرس الملكي هو الحرس المكلف بحراسة الملك وتأمين المواقع التي يتواجد فيها في الداخل والخارج , وكان في السابق يقوم بهذه الأعمال مجموعة من المرافقين الخاصين  للملك عبدالعزيز رحمه الله . والحرس الملكي الذي بصدد الكتابة عنه هو الحرس الملكي النظامي , وهذا الحرس الملكي تكون من أول قوات نظامية أنشأها الملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله عام 1348هـ لذلك سوف أتناول بداية تكوين القوات النظامية في المملكة كمدخل لتاريخ إنشاء الحرس الملكي , ولقد واجهت صعوبة في إخراج هذه الدراسة نظراً لعدم توفر أرشيف في قيادة الحرس الملكي قبل عام 1363هـ يشمل فترة نشأة الحرس الملكي، ولقصور ما هو موجود في الأرشيف فلقد كان من الضروري الإطلاع على بعض الكتب التي تناولت سيرة الملك عبد العزيز والاستعانة ببعض ضباط الحرس الملكي المتقاعدين مثل معالي الشيخ عثمان محمد الحميد رحمه الله و الفريق أول / عبد الله البصيلي , والفريق / عبدالعزيز بن عييد , واللواء / فهد المجراد رحمه الله , والعميد / إبراهيم الدبيان , والعقيد / عبدالرحمن الخويطر ولقد أتضح لي بعد مراجعة الأرشيف الموجود ومقابلة ضباط الحرس الملكي المتقاعدين أن الحرس الملكي مر بثلاث مراحل منذ تاريخ نشأته , وقبل التطرق لهذه المراحل سوف أبدأ بمهمة الحرس الملكي وارتباطه وواجباته والتي لم تتغير في جوهرها منذ تاريخ إنشائه

 

مهمة وارتباط وواجبات الحرس الملكي :

 

1

. المهمه :

القيام بكافة الإجراءات التي تكفل أمن وحماية خادم الحرمين الشريفين في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها وباستخدام كافة الوسائل المتوفرة لتحقيق ذلك .

2 .الارتباط :

يرتبط قائد الحرس الملكي بخادم الحرمين الشريفين ارتباطاً مباشراً .

3 .الواجبات :

أ .توفير الأمن والحراسة لخادم الحرمين الشريفين في أي مكان يتواجد به في داخل المملكة وخارجها وفي جميع تحركاته ووسائل مواصلاته.

ب . توفيرالأمن والحراسة لضيوف خادم الحرمين الشريفين في أي مكان يتواجدون فيه داخل المملكة .

ج . توفير الأمن والحراسة لجميع الأماكن التي يزورونها داخل المملكة .

د . توفير الأمن والحراسة لخادم الحرمين  الشريفين وضيوفه خلال الأحتفالات والمؤتمرات التي تقام داخل المملكة بالاشتراك مع اجهزة الأمن الاخرى.

هـ . توفير الأمن والحراسة لجميع الدواووين والقصور الملكية في مختلف مدن المملكة.

و . توفيرالأمن والحراسة لسمو ولي العهد أثناء تواجده برفقة خادم الحرمين الشريفين أو في أي مكان يتواجد به ويقع تحت مسئولية الحرس الملكي .

ز . متابعة جميع العاملين في مختلف الدواوين والقصور الملكية ومجلس الوزراء وجميع الأماكن التي يتواجد بها خادم الحرمين الشريفين ومنحهم بطاقات الدخول إلى تلك  الأماكن بعد التأكد منهم من الناحية الأمنية .

ح . التنسيق مع المراسم الملكية ومكتب شئون المواطنون بما يختص بمقابلات خادم الحرمين الشريفين للمواطنين وغيرهم من كبار الشخصيات والأجانب .

ط .القيام بأي واجبات أخرى قد يكلف بها الحرس الملكي.

ي . توفيرالأمن والحراسة لأفراد الأسرة المالكة والمسئولين في الدولة عند سفرهم في مهمات خارج المملكة .

ك .القيام بكل المراسم الخاصة باستقبال وتوديع ضيوف المملكة العربية السعودية داخل المملكة ومراسم تقديم أوراق اعتماد السفراء وذلك بواسطة مجموعات حرس الشرف وأمن المراسم الملكية  وسرية الفرسان .

ل . القيام بجميع المراسم الخاصة بالاحتفالات والمؤتمرات التي يشرفها خادم الحرمين الشريفين أو من ينوب عنه في حالة طلب المسئولين ذلك .

م . التنسيق مع جميع الأجهزة الأمنية في الاحتفالات والمناسبات المختلفة التي تقام داخل المملكة لوضع خطط الأمن المشتركة لتوفير الأمن والحماية لخادم الحرمين الشريفين وجميع من برفقته من المسئولين وكبار الشخصيات .

ن.الاشتراك مع قطاعات القوات المسلحة الأخرى في أي عمليات قتالية تتلاءم  مع مهام وتسليح الحرس الملكي .

 

 

سوف اقسم نشأة وتطور الحرس الملكي على مراحل وهي :

 

المرحله الاولى : من عام 1348هـ حتى نهاية عام 1369هـ

المرحله الثانيه : من عام 1370هـ حتى شهر رجب عام 1384هـ

المرحله الثالثه : من شهر رجب  1384هـ حتى شهر شعبان 1426هـ  

المرحله الرابعه: من شهر شعبان 1426هـ الى وقتنا الحاضر

 

 

 

 

 

مراحل نشأة وتطور الحرس الملكي بالتفصيل :

 

 

 

 

 

 

 

alt

 


 بعد أن انتهت مرحلة توحيد أقاليم المملكة العربية السعودية شرع الملك عبد العزيز رحمه الله في إعادة تنظيم الحاميات العسكرية التي كانت موجودة في ثغور الحجاز,وعلى سبيل المثال صدر( تشكيل لمفرزة ينبع مكونة من قسم مدفعية وقسم رشاش وذلك بتاريخ      23/10/1344هـ  وفي 20/4/1345هـ صدر تشكيل حامية جدة وهذه المفارز مرتبطة مباشرة بوكالة المالية ) 

ولقد بدأ الملك عبدالعزيز يفكر جادا في بناء القوتين البرية والجوية مستفيداً من مخترعات الحرب الحديثة وذلك لما لاحظه من أثر إيجابي لهذه الأسلحة في المعارك وكيف أن القوات البريطانية استطاعت بقليل من السيارات المسلحة بالرشاشات والطائرات إخراج الأخوان من العراق ومن شرقي الأردن بأسرع وقت وبدون خسائر تذكر ,( وقد لمس الأثرالإيجابي لاستخدام الأسلحة الرشاشة في معركة السبلة عام 1347هـ إذ استطاع فصيل من رماة الرشاش أن يحسم المعركة في بضع دقائق )

وبعد انتهاء هذه المعركة بدأت خطوات إنشاء الجيش النظامي وذلك ( في عام 1348هـ حيث أمرالملك عبدالعزيزرحمه الله بتكوين مديرية للأمورالعسكرية بدأت بإنشاء الجيش النظامي) وذلك بتكوين مجموعات من العسكر النظاميين من ثلاث قطاعات سميت أفواج المشاة ,المدفعية , والرشاش، تحت قيادة بعض القادة الذين سبق لهم الخدمة في جيوش نظامية مثل جعفر الطيار, وسعيد جودت , وسعيد الكردي , وأحمد بدوي , ومحسن الحارثي , وإبراهيم الطاسان, وخالد علمدار, وكان مقرهم في مكة المكرمة وكانت هذه المجموعات هي النواة الأولى للجيش العربي السعودي الحديث .

( وفي عام 1353هجرية بلغت القوات النظامية حداً اقتضى تشكيل وكالة للدفاع وجعلت القوات على ثلاثة صنوف سلاح المشاة ,وسلاح المدفعية , وسلاح الفرسان , ونظم الجيش على أسس أفواج وألوية ووزع على بعض مناطق المملكة تبعاً لوضع الدولة الجغرافي , وجعل مقر وكالة الدفاع بالطائف )

وفي عام 1356هجرية كلفت قوة من الجيش يقدر تعدادها 150 فرد بقيادة  وكيل القائد سعيد جودت بحراسة الملك عبدالعزيز في موسم الحج وأثناء تواجده في المنطقة الغربية. وكانت هذه القوة تلازمه حتى مغادرته المنطقة الغربية حيث تودعه عند عودته إلى الرياض من منطقة عشيرة لتعود إلى معسكرها في الطائف لتتفرغ للتدريب وحراسة القصر الملكي وتكررت هذه الواجبات أعوام 57هـ و 58هـ وفي عام 1359هـ أمر الملك عبدالعزيز هذه القوة بمرافقته إلى الرياض حيث استلمت حراسة قصرالمربع من شرطة الرياض التي كانت مكلفة بالحراسة تحت قيادة محمد بن عطيشان . 

أستلمت هذه القوة النظامية بقيادة القائد سعيد جودت حراسة القصر وجميع أعمال الحرس الملكي بعد أن ضم إليها مجموعة من العسكر المنقولين من الشرطة وكانت هذه أول قوة نظامية تتواجد في الرياض ومهمة هذه القوة القيام بأعمال الحرس الملكي والدفاع عن مدينة الرياض , وكان مقرهم في قصر عبد الله الشبيلي في حلة الأحرار بعد ذلك انتقلوا قسم منهم في المربع وقسم في معسكر في حي الفوطة يطلق عليه القشلة ( كلمة تركية تعني معسكر) قرب شارع الإمام تركي بن عبدالله  .

وفتح باب التجنيد لهذه القوة فالتحق بها عدد كثير من الشباب الذين شدهم العمل في السلك العسكري تدرج البعض منهم في الرتب العسكرية ليصبحوا بعد عدة سنوات قادة ومسئولين في هذه القوة ومنهم الفريق أول/ عبد الله الراشد البصيلي والعقيد محمد الذيب الذي انتقل لهذه القوة من الأمن العام إضافة إلى خريجي الدفعات الأولى من المدرسة العسكرية من أمثال معالي الشيخ عثمان محمد الحميد رحمه الله

.

تم التعرف على الضباط من اللواء المتقاعد / محمد النملة رحمه الله ووجد في بعض المكاتبات التي يعود تاريخها إلى عام1361هـ أن هذه القوة تسمى قوة المنطقة الشرقية (وذلك لكونها شرق القوة النظامية الموجودة في المنطقة الغربية) وقائدها القائد سعيد جودت ومرتبطة ارتباطاً مباشراً برئاسة الأركان الحربية التي أنشئت عام 1359هـ وعين وكيل القائد محمد طارق الأفريقي رئيساً لها لتحل محل مديرية الأمور العسكرية , وكان نظام التدريب لقوة المنطقة الشرقية نظاماً إنجليزياً مثل سائر الوحدات النظامية في الجيش السعودي في ذلك الوقت والتسليح البندقية البوليونية , والرشاش الاشكص والفيكرز , والزي الرسمي السترة والبنطلون والبسطار والغترة والعقال .

 

 

 

 

 

alt

 

الضباط من اليمين / أحمد العناني وسعيد جودة ومحمد النملة

 

 

 

 

 

 

alt

 

  بعض أفراد الحرس الملكي بجانب أسوار المربع في إحدى المناسبات

 

alt

الفريق سعيد جودت أول قائد للحرس الملكي

 

 

 

 

 alt

حرس الشرف يؤدي التحية للملك عبدالعزيزأثناء خروجة من القصر

 

 

 

 alt

الملك عبد العزيزويظهر في الصورة من الخلف بعض ضباط الحرس الملكي وقوفاً من اليمين إلى اليسار

العقيد / محمد عبد الله الذيب والفريق / سعيد جودت

 

 

 

 

alt

الملك عبدالعزيز ويظهرخلفه من اليمين القائد

( عقيد )عبد الله بن نامي ووكيل القائد ( رائد )

منسي بن زيد البقمي

 

 

 

 

 

alt

 

في عام 1370هـ شكل لواء الحرس الملكي من قوات المنطقة الشرقية وقائد اللواء سعيد جودت وكانت وظيفته قائد الحرس الملكي والقوة النظامية وهذه القوة النظامية هي بقية قوات المنطقة الشرقية . وفي شهر جمادى الأول عام 1371 هجرية صدر أمر ملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن عبد العزيز أميراً للقصور والحرس الملكي وأعيد تشكيل لواء الحرس الملكي ليكون قوة مستقلة تحت مسمى أمارة الحرس الملكي مكونه من فوجي مشاة وسرية بوليس حربي ( شرطة عسكرية ) ونضيدة مدفعية ( سرية ) وسرية تدريب وتجنيد وورشة ميكانيكية ( سرية نقل وصيانة ) وفصيل موسيقى وقسم طبابة وقيادة حرس القصور بالحجاز ( المنطقة الغربية ) ومكونة من سريتي مشاة وكان فيه أول مدرسة لمحو الأمية ساهمت مساهمة فعاله في نشر التعليم في مدينة الرياض تخرج منها عدد كبير من ضباط القوات المسلحة وكبار المسئولين في الدولة .وفي 26/6/1371هـ صدر أمر ملكي برقم 5/15/860 بمنح صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن عبد العزيز رتبة فريق ويكون مسمى وظيفته أمير الحرس والقصور الملكيه. وبعد وفاة الملك عبدالعزيز رحمه الله عام 1373هـ ضم الحرس الملكي لوزارة الدفاع والطيران تحت مسمى لواء الحرس الملكي وتم التعرف على الضباط من اللواء متقاعد /محمد النمله رحمه الله وفي عام 1376هـ انتقل الحرس الملكي إلى معسكر نموذجي في تلك الفترة من حيث السعة والمباني وهو في نفس موقع المعسكرالحالي , وبدأ يلتحق بالحرس الملكي عدد من الضباط من خريجي الدفعات الأولى من كلية الملك عبد العزيز الحربية ومنهم قائد الحرس الملكي الفريق أول ركن/ عبدالله العلي النملة الذي تخرج في 20/10/1376هـ . وفي عام 1377هـ أنفصل الحرس الملكي عن وزارة الدفاع والطيران تحت مسمى أمارة الحرس الملكي ( مع الإحتفاظ بالإرتباط بالتدريب وترقية الضباط والعلاوات ) وتولى أمارة الحرس الملكي صاحب السمو الملكي الأميرمساعد بن سعود بن عبدالعزيز . وكان الحرس الملكي قوة ضاربة ساهمت مساهمة فعالة في مساندة الجيش العربي السعودي في الدفاع عن المملكة حيث أرسل منه قوة إلى المنطقة الجنوبية في أوائل الثمانينات الهجرية , أما تشكيل الحرس الملكي فمكون من ثلاث أفواج مشاة وفوج أسلحة يضم دبابات ثقيلة ومدرعات ومدفعية ميدان ومدافع ضد الطائرات ومدافع هاون إضافة إلى الرشاشات والبنادق الآلية , وسرايا ملحقة بقيادة اللواء مثل سرية البوليس الحربي وسرية الموسيقى والورشة الميكانيكية , وتولى أمارة الحرس الملكي بعد الأمير مساعد بن سعود بن عبدالعزيز صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سعود بن عبدالعزيز وقد أجرى الحرس الملكي إستعراض عسكري لقواته على شرف جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله في معسكرالحرس الملكي في الرياض في تاريخ 15/4/1379هـ وقد شاركت في هذا الاستعراض الدبابات والمدرعات ومدفعية الميدان والمدافع المضادة لطائرات ومدافع الهاون والناقلات وسرايا المشاة ويوجد شريط سينمائي مصور لهذا الاستعراض . كان لإهتمام العميد / عبدالله بن علي الوابل الفضل في عدم فقدان هذا الشريط  السينمائي أثناء عمله في مركز التدريب عام 1410هـ عندما كان برتبة ملازم أول .وفي عام 1380هـ  تغيرأسم أمارة الحرس الملكي إلى رئاسة الحرس الملكي وتولى صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن سعود بن عبدالعزيز رئاسته بعد ذلك تولى رئاسته صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سعود بن عبدالعزيز, وكان الفريق سعيد جودت مايزال قائداً للحرس الملكي . وكان الزي الرسمي سترة وبنطلون وحذاء ونطاق وسط وبريه ( أستبدلت الغترة بالبريه في 15 ذو الحجة عام 1373هـ ) وفي 20/10/ 1383هـ أحيل الفريق سعيد جودت إلى التقاعد ودمج الحرس الملكي في الجيش وانتقل إلى المدينة المنورة تحت أسم اللواء الرابع وبقي منه سرية حراسات في الناصرية وبعض الحراسات المتفرقة وكانت تراجع قيادة اللواء في المدينة ،وكان قائد اللواء الزعيم(عميد) عثمان محمدالحميد رحمه الله.

 

 

alt

صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن عبد العزيز برتبة فريق

 

 

alt  

الملك عبدالعزيز في إحدى زياراته للمنطقة الشرقية عام 1368هـ ويظهر في الصورة بعض

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« أكتوبر 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية