هل ستصبح السعودية مستوردة للبترول بحلول عام 2030؟

انتشرت منذ مدة أنباء مفادها أن المملكة العربية السعودية ستصبح بحلول عام 2030 إحدى الدول المستوردة للبترول. ورد ذلك في مقال نشرته مجلة بيزنس ويك التي تصدرها مؤسسة بلومبرج. http://www.businessweek.com/news/2012-09-04/saudi-arabia-may-become-oil-importer-by-2030-citigroup-says التي أعلنت ذلك الخبر المثير وأشارت إلى التقرير الصادر تحت عنوان "الصناعات البتر وكيماوية السعودية – نهاية وعاء العصيدة السحرية؟". صدر التقرير عن مجموعة سيتي جروب للأسواق العالمية بتاريخ 4 سبتمبر. ولقد أتيحت لي الآن فرصة إلقاء نظرة على التقرير البالغ عدد صفحاته 152 صفحة. ويمكن للمرء أن يلحظ بسهولة أن التقرير في الأساس عبارة عن تحليل لشركات متنوعة في المملكة العربية السعودية ومناقشة إمكانيات تصدير البترول في المستقبل كإطار لتحليل الشركات.
أولا ، أود إيضاح أنه لا يوجد شيء مثير للاهتمام في التقرير بخصوص إنتاج البترول ذاته. يفترض واضعوا التقرير أن إنتاج البترول سوف يظل ثابتا عند مستوى 12.5 مليون برميل يوميا وهو الموقف السعودي الرسمي . في كتابي "نظرة سريعة على ذروة الإنتاج البترولي" قمت بتحليل مستقبل إنتاج البترول في المملكة العربية السعودية ووصلت إلى استنتاج مفاده أنه يمكن أن يستمر على 12 مليون برميل يوميا حتى عام 2030، بمعنى نفس حجم الإنتاج الذي حدده السعوديون بأنفسهم. ومن خلال تحليل البيانات في مطبوعة BP Statistical Review of World Energy قام المؤلفون بدراسة الاتجاه التاريخي لحجم الإنتاج في المملكة العربية السعودية وحجم الاستهلاك العالمي من البترول والغاز الطبيعي. لقد نظروا بصورة رئيسية إلى حجم توليد الطاقة والخطط التي وضعتها المملكة لذلك في المستقبل.
يبلغ نصيب الفرد السعودي من الكهرباء نفس الحجم الذي يستهلكه المواطن في فرنسا التي يتم فيها إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة النووية.ومع ذلك، فإن معدل نمو استهلاك الفرد في المملكة العربية السعودية أكبر بكثير من فرنسا. وفي الوقت الحالي تقوم المملكة بتوليد حوالي 50% من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية باستخدام الغاز الطبيعي  و50% باستخدام منتجات البترول. إنهم يستخدمون الغاز الطبيعي المملوك لهم وإنتاج البترول في عمل ذلك. تستهلك السعودية جميع ما تستخرجه من الغاز الطبيعي والإنتاج المحلي غير كاف لتلبية احتياجاتها. يمكننا ملاحظة أن الجزء الأكبر من الغاز الطبيعي يستخرج كغاز مصاحب لإنتاج البترول. وتمتلك السعودية عددا من حقول الغاز الطبيعي غير المستغلة، لكن تطويرها لاستخراج الغاز منها يعتبر الآن على رأس الأولويات بالتوازي مع تطوير حقول البترول التي تحتوي على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.
وجزء كبير من الطاقة الكهربائية المنتج في السعودية يتم استهلاكه في تبريد الهواء، ويصل معدل هذا الاستهلاك للذروة في أيام فصل الصيف القائظ. ويصل أقصى معدل للاستهلاك في وقت الذروة إلى 50.000 ميجاوات ، مقارنة بحوالي 20.000 ميجاوات في عام 2000. ووفقا لحساباتهم سيحتاجون إلى 120.000 ميجاوات من الكهرباء في عام 2030. وبالإضافة إلى الكهرباء سيحتاجون أيضا إلى المياه ويتطلب ذلك إنشاء محطات كبيرة لتحلية مياه البحر. وأحد العوامل المهمة التي تفسر السبب في ذلك الاحتياج المتزايد هو النمو السكاني.
وتدرك السلطات السعودية المشكلات التي تواجهها المملكة إذا استمرت في استخدام الغاز الطبيعي والبترول في إنتاج الطاقة الكهربائية. لديهم خططا لاستخدام الطاقة النووية والطاقة الشمسية. ويخططون بحلول عام 2050 لتنفيذ التالي : إنتاج 54.000 ميجاوات من الطاقة النووية و25.000 ميجاوات من الطاقة الشمسية المركزة و16.000 ميجاوات من الخلايا الكهروضوئية و9000 ميجاوات من طاقة الرياح. وبذلك من المتوقع أن تكون الطاقة النووية مسئولة بحلول عام 2050 عن توليد طاقة كهربائية تزيد عن مجموع ما يتم إنتاجه حاليا من طاقة كهربائية. ولاستيعاب حجم المشروع المقترح يمكن للمرء ملاحظة أن السويد تنتج حوالي 10.000 ميجاوات من 10 محطات نووية.
وتصل سيتي جروب إلى استنتاج مفاده أن المملكة العربية السعودية لن تكون دولة مصدرة للبترول بحلول عام 2030 على أساس فرضية أن التوسع في إنتاج الطاقة الكهربائية سوف يتزايد بحوالي نفس المعدل الجاري حاليا وأنه سيحدث تأخير في استخدام المصادر البديلة لتوليد الطاقة الكهربائية. ومن المثير ملاحظة أنه في الوقت الحالي يوجد ما يزيد عن 70 مشروع بتروكيماوي مختلف تواجه تأخيرا في التنفيذ أو تم بالفعل إيقافها في المملكة العربية السعودية. وإذا افترض المرء على نفس منوال سيتي جروب أن إنشاء المحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية سيواجه بدرجة كبيرة عقبات تؤدي لتأخير تنفيذه سيصل إلى نفس الاستنتاج الذي توصلت إليه سيتي جروب.
"تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر دولة منتجة للبترول في العالم (حجم إنتاجها اليومي 11.1 مليون برميل يوميا) وأكبر مصدر أيضا (7.7 مليون برميل يوميا)، كما أنها تستهلك 25% من حجم إنتاجها. ويزيد معدل استهلاك الفرد فيها من الطاقة على معدل استهلاك الفرد في أغلب الدول الصناعية الكبرى. ويشكل البترول ومشتقاته حوالي 50% من حجم إنتاج الطاقة الكهربائية في المملكة، تستخدم بدرجة كبيرة (أكثر من 50% منها) في المنازل. وينمو حجم الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة بحوالي 8% في العام. ويوضح تحليلنا أنه إذا لم يتغير شيء فقد لا يتوافر للمملكة العربية السعودية أي بترول فائض للتصدير بحلول عام 2030".
ولا يحدث فقط في المملكة العربية السعودية، الدولة المصدرة للبترول، أن يشهد الاستهلاك المحلي من البترول ارتفاعا مضطردا، أيضاً نفس الشيء يحدث في جميع البلدان المصدرة للبترول، ولهذا السبب أحدد في كتابي "نظرة سريعة على ذروة الإنتاج البترولي" أن حجم البترول المتاح للاستيراد من جانب دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحلول عام 2020 سوف ينكمش بمقدار النصف مقارنة بالكميات التي كانت متوافرة منه في عام 2005 وقت حدوث "الذروة في إنتاج البترول". كما أن حقيقة أن السعودية سوف تحتاج كذلك لعائدات تصدير البترول في عام 2030( لشراء الأغذية على سبيل المثال) تعني أنه سيكون مثيرا للاهتمام رؤية الكيفية التي سيعالجون بها مشكلات الطاقة في السوق المحلية.
- كيجيل أليكيت – رئيس ASPO International وأستاذ في جامعة Uppsala ومؤلف كتاب "نظرة سريعة على ذروة الإنتاج البترولي".
المصدر: http://aleklett.wordpress.com
ترجمة: nodhoob.com

المرجع:

*ازمة الموارد نضوب النفط والمياه

http://resourcecrisis.com/index.php/oil/965-will-saudi-arabia-become-oil-importer-by-2030

الكويت أذا نضب النفط

عبدالله البصيص
عندما اكتشف جون روكفلر النفط في سنة 1865 في مدينة بيتهول في ولاية بنسلفانيا الأميركية سأل نفسه هذا السؤال: ولكن متى سينفد؟ خلال عام واحد ازدهرت هذه المدينة، واستقبلت الكثير من المهاجرين، وكثرت مبانيها وازدانت طرقاتها، وأصبح الناس فيها يشربون الخمر بإسراف، وينفقون المال بهوس شاذ، ثم لما دارت الشمس دورتها السنوية المعتادة بمرور سنتين على اكتشاف الذهب الأسود، نفد النفط فيها، لم تعد الآبار تجاري هوس الناس، نضب السائل اللزج، وكان ما حصل بعدها في مدينة بيتهول يعطينا صورة عما سيحصل إذا نفد النفط من العالم، تركت المباني الجديدة مفتوحة للكلاب الضالة، أصبحت المدينة خاوية على عروشها، انسل الناس منها وتركوا كؤوس خمرهم منكفئة على الطاولات، لم يعد هنالك مال يصرف، ولا حياة تعاش.
اليوم يردد الخبراء سؤال مكتشف النفط الأول: ولكن متى سينفد؟ لكنهم يجيبون عليه بدراسات تنطلق من حسابات تقديرية يمكنها التنبؤ بموعد نفاده، وتحصره بين سنة 2030 إلى 2070، قياسا على استهلاك العالم اليوم للنفط. وللعلم فإنه قد يكتشف الإنسان الأوروبي العنيد بديلا عن النفط ويجعل سعره أرخص من سعر الكلام العربي.
يمر اليوم أكثر من خمسين سنة على استخراج النفط في الكويت، لن استخدم سؤال روكفلر الشهير، لكن سأستخدم سؤالا يخص كل كويتي: ما هو البديل عن النفط؟ نريد أن نتوقف عن غباء الاعتماد على هذا السائل الأسود، أن نفترض نضوبه مبكرا، كيف نقف على أرجلنا، وما هي الوسائل التي وجدتها حكومتنا التي تتشاغب مع مجلس الأمة على أمور ساذجة، ما هي تطلعات نوابنا لهذه القضية، بعيدا عن التكسبات الانتخابية؟
تمتاز الكويت بمكانها الإستراتيجي فقط، أي إنها لا تملك امتيازا آخر، لا هي زراعية، ولا هي متوافرة المراعي، ولا متدفقة المياه، وليس جوها معتدلا ولا إنسانها مجتهدا. ومن المعلوم أنها أهملت منابع اقتصادها القومي قبل النفط، مثل صناعة السفن، والتجارة، وصيد الأسماك. فإذا انتهى النفط ونحن نفرقع أصابعنا سنكون في ورطة حقيقية أمام مشكلة الانقراض.
ما هو البديل؟ سؤال جيد فات روكفلر. تقدُّم العلم، وتوافُر المال الذي جاء مع النفط يمكنه إيجاد البديل إذا أخلصنا النوايا وتخلصنا من عبء مهاتراتنا في الدواوين، إذا أردنا أن نكون بلدا منتجا، فيه موظف منتج، فيه مسؤول منتج، فيه وزير محترم منتج، يجب أن نبدأ بتغيير نمط حياتنا للأفضل، نحو العمل الجاد، نقلل من قتل الوقت في الدواوين، نبتعد عن زخرف الدنيا كالترف وحب الخيلاء، نعبد الله في العمل أكثر من عبادته في الصلاة، المسألة أخلاق قبل كل شيء، ثم نأخذ بالأسباب وننظر في ما حولنا.
يضع كولن كامبيل في كتابه «نهاية عصر البترول» خمسة حلول بديلة عن النفط، والغريب أنها متوفرة لدينا بشكل فوق العادة:
1 - الطاقة الشمسية. شمسنا فوق مستوى تصور كولن كامبيل.
2 - الطاقة الهوائية. سيبكي لو عرف معنى كلمة «عجاج».
3 - الطاقة البحرية «الموج». متوفر.
4 - الحرارة الكامنة في الأرض. شيء لم نصل لمعرفته حتى الآن.
5 - الطاقة النووية. أثبتت خطورتها في اليابان.
كما أن طرق تسخيرها لخدمة الإنسان متوفرة، فقد قامت المملكة المتحدة باستخدام طاقة الهواء بنجاح، وقامت أميركا باستخدامها أيضا بمستوى نجاح يفوق الخيال. السويد أطلقت في الأمس طائرة على الطاقة الشمسية، الطاقة الشمسية تستخدم على نطاق ضيق في بلاد الشام، فقط لتسخين خزانات المياه، لكنها تجربة ممتازة. والنماذج كثيرة في هذا المجال.
هذا في ما يخص الطاقة، أما في ما يخص استغلال موقعنا الاستراتيجي، فنستطيع أن نكون دولة تجارية في المرتبة الأولى، لو ابتعدنا عن معضلة «الحسد».
هذه الحلول كتبتها وأنا متكئ وأضع رجلا فوق رجل في مكتبتي المتواضعة، فما بالك لو قام فريق حكومي مختص ببحث الموضوع بأدوات أكاديمية عصرية.
الوقت يمر، والشمس تدور بعجلة السنين، وساعة الاقتراب لا تتوقف، والموضوع مصيري في الدرجة الأولى ووطني في الدرجة الثانية، لا ننشغل عنه لمواضيع سخيفة مثل استجواب وزير أو حرق إطارات أو صفقة فاشلة.
لو أن روكفلر في الكويت اليوم لتساءل معي: هل سيكون مصير الكويت مثل مصير مدينة بيتهول؟
(الكويتية 12 يونيو 2012)

المرجع:

*ازمة الموارد نضوب النفط.نضوب المياه

http://www.resourcecrisis.com/index.php/oil/933-kuwait-if-depleted-oil

سورة الملك في صفحة واحدة

فضل سورة الملك: (سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر ). صحيح.

http://www.holyquran.net/cgi-bin/prepare.pl?ch=67

سورة الكهف في صفحة واحدة

لا تنسوني من دعائكم ..

http://www.holyquran.net/cgi-bin/prepare.pl?ch=18

ألمانيا: الصعود والتأثير

مثّل تاريخ 30 أبريل 1945 نقطة الانهيار السحيق في تاريخ ألمانيا المعاصرة بانتحار "أدولف هتلر"، إثر احتلال قوات التحالف للعاصمة برلين ومقر الحكم في الرايخستاج (*)، إعلانًا لهزيمة ألمانيا القاصمة في الحرب العالمية الثانية، بعد تدمير غالبية مدنها واقتصادها وجيشها ثم تقسيمها إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية وألمانيا الديمقراطية، وبعد اقتطاع أجزاء من أراضيها وضمها لبولندا والاتحاد السوفيتي وفرنسا، وما نجم عن ذلك كله من تشريد نحو 12 مليون ألماني كانوا يعيشون في شرق أوروبا، إضافة إلي 8 ملايين أسير في معتقلات قوات الحلفاء، واستخدامهم في معسكرات عمل لإعادة إعمار ما دمرته النازية لدرجة احتفاظ السوفيت بأسراها حتى عام 1956، وحصول فرنسا على مليون أسير ألماني هدية من الأميركيين والبريطانيين، إلي جانب تدمير السكك الحديدية والطرق، وتفكيك السوفيت للمصانع ونقلها لبلادهم، بل وتطبيق مبدأ "إعادة تربية الألمان" لتخليصهم من النازية بمعاقبة غالبيتهم، وإقالة 90% من العاملين في سلك القضاء وإغلاق دور النشر والإعلام، بل والمدارس "حتى يتم تطهيرها ومناهجها من الفكر النازي" (1).

المعجزة الاقتصادية

ومع كل ما سبق نهضت ألمانيا، ولم يكن الهدف مجرد رغبة في التقدم والرفاهية فقط، بل أيضًا نوعًا من رد الكرامة والاعتبار، وهو ما بدأ على يد "لودفيج إرهارد" الملقب بـ "أب المعجزة الاقتصادية الألمانية"؛ حين شعر منذ عام 1944 بحتمية خروج ألمانيا مهزومة من الحرب فكتب مذكرة بعنوان "تمويل ديون الحرب وإعادة هيكلتها" شملت رؤيته عن كيفية إعادة بناء الاقتصاد الألماني على أساس فكرة "السوق الاجتماعي" التي تقوم على حرية السوق مع الاهتمام بالتوازن الاجتماعي، ليطبق سياسته فور انتهاء الحرب كوزير لاقتصاد مقاطعة بافاريا ثم بعد تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949 كوزير لاقتصاد أول حكومة برئاسة كونراد أديناور.

alt
 

ورغم إجبار ألمانيا على دفع تعويضات تبلغ قيمتها 1,1 مليار دولار سنويًا منذ نهاية الحرب الثانية (آخر دفعة 1971)، إلا أن إرهارد قام بخطوات طموحة؛ حيث توافق في البداية مع سلطة الاحتلال على تغيير العملة بصورة مفاجئة في 19 مايو/أيار 1948 بإلغاء عملة "مارك الرايخ" واستبداله "بالمارك الألماني"، وإلغاء ديون الدولة، ثم قام دون إبلاغ سلطة الاحتلال بتحرير السوق وتحديد الأسعار؛ مما أجبر التجار علي إخراج بضائعهم المخبأة لتختفي السوق السوداء وتتراجع أسعار البضائع، لتنتهي الأزمة الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب(2).

بالمقابل فإن النهضة الاقتصادية الألمانية استفادت أيضًا من رفض الرئيس الأميركي "روزفلت" لمشروع "مورجنتاو" الذي كان يهدف إلى جعل ألمانيا دولة زراعية فقط اتقاءً لخطورتها، حتى لا يتكرر خطأ الحلفاء معها بعد الحرب العالمية الأولى، بفرض قرارات مهينة عليها تدفعها للانتقام؛ مما جعلهم يفكرون في بديل يضمن نهضة ألمانيا دون أن تخرج عن نطاق سيطرة الحلفاء الغربيين.

الأمر الذي أدى إلى إقرار وزير الخارجية الأميركي "جورج مارشال" المشروع المعروف باسمه في عام 1947 لدعم دول أوروبا، بما يعادل 3 مليار مارك ألماني حصلت عليها ألمانيا من مشروع مارشال حتى عام 1952، وهو ما فسرته المحللة السياسية "أندريا نيترشايد" أنه كان طمعًا في ربطها بالنظام الاقتصادي الأميركي والحصول علي العائد مستقبلاً، إلى جانب الحيلولة دون انتشار الشيوعية في ألمانيا الغربية، خاصة أن قبول هذه المساعدات كان مشروطًا بالتعاون مع بقية الدول المتلقية لها؛ مما جعل وزير خارجية الاتحاد السوفيتي فياتشيسلاف ميخائيلوفيتش مولوتوف، يحتج بأن "الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان لاستعباد ألمانيا بهذه المساعدات" (3).

وقد تطور الاقتصاد الألماني بصورة سريعة علي أيدي الشعب الألماني وكذلك المهاجرين وبالذات من تركيا التي كانت ألمانيا قد وقَّعت معها اتفاقية لاستقدام العمالة في عام 1961، حتى أصبح الاقتصاد الألماني رابع أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة والصين واليابان بناتج محلي بلغ 3,518 تريليون دولار في عام 2011، كواحدة من أكثر الدول صناعةً للسيارات والآلات والمواد الكيميائية والمعدات والأدوات المنزلية، وكرائدة في إنتاج الطاقة الشمسية في جميع أنحاء العالم، كما توجد لديها 37 شركة من أكبر 500 شركة في العالم في مجال أسواق الأسهم العالمية(4).

الوحدة الألمانية

رغم رضوخ ألمانيا الاتحادية للتقسيم القسري إلا أنها اعتمدت علي سياسة النفس الطويل بالتركيز علي النهضة الاقتصادية وتكوين الاتحاد الأوروبي ثم قيادته، فقامت في سبيل ذلك في 12 أغسطس/آب 1970 بتوقيع معاهدة "موسكو" مع الاتحاد السوفيتي قبلت فيها الالتزام بتقسيم ألمانيا وبالحدود الحالية بما فيها الأراضي التي ضمها لبولندا بطول نهر الأودر، والتي ضمها لفرنسا في منطقة الإلزاس، ومنطقة "شرق بروسيا" التي احتلها الاتحاد السوفيتي، وألا تطالب بهذه الأراضي في المستقبل، وهو نفس ما وقَّعت عليه مع بولندا في معاهدة وارسو في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1970(5).

وحين بدأ تهاوي الاتحاد السوفيتي وفتحت المجر حدودها مع الغرب ونزح آلاف الألمان الشرقيين للعبور إلى ألمانيا الغربية، واندلعت المظاهرات الحاشدة في ألمانيا الشرقية ثم سقط جدار برلين في 9 أغسطس/آب 1989، حين حدث ذلك كله فإن  المستشار "هيلموت كول" استغل الفرصة ليضغط باتجاه توحيد الألمانيتين في مفاوضات ماراثونية بمشاركة دول الاحتلال (الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا)، حتى حصلت ألمانيا الاتحادية على سيادتها، ثم أعلن في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1990 توحيد ألمانيا بضم الولايات الخمس التابعة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وعلى الفور وُضِعت خطة ضخمة لرفع مستوى اقتصاد مدن شرق ألمانيا ضمن برنامج طويل الأمد ينتهي عام 2019، يتم من خلاله تحويل 80 مليار دولار سنويًّا من غرب ألمانيا إلى شرقها.

تأسيس وقيادة الاتحاد الأوروبي

وقد لعبت ألمانيا الاتحادية دورًا محوريًّا في توحيد أوروبا، للحيلولة دون تكرار اندلاع حروب بين دولها، بدءًا من تشكيلها "المجموعة الأوروبية للفحم والصلب" بمشاركة فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج عام 1951، ثم  التوصل من خلال توقيع اتفاقية "روما" في 15 مارس/آذار 1957 لأول وحدة جمركية أوروبية عُرفت باسم "المجموعة الاقتصادية الأوروبية" والتي تحولت بتوالي انضمام الدول الأوروبية إلى الاتحاد الأوروبي بتوقيع معاهدة ماستريخت في ديسمبر/كانون الأول 1991، الذي وصل الآن إلى 27 دولة، 17 منها دخلت في منطقة العملة الموحدة "اليورو".

ورغم أن ألمانيا وفرنسا كانتا من الدول المؤسسة، بينما لم تنضم بريطانيا سوى عام 1973 ولم تنضم لمنطقة اليورو حتي الآن، إلا أن القيادة السياسية للاتحاد كان يتنازعها الفرنسيون والبريطانيون بينما كانت ألمانيا تكتفي بالتنازع على القيادة الاقتصادية، ثم تلتها مرحلة المحور الألماني-الفرنسي داخل الاتحاد وتراجع الدور البريطاني، حتى انفردت ألمانيا بالزعامة الاقتصادية ثم السياسية مؤخرًا؛ فقد زاد وزنها السياسي وفقًا لمعاهدة "نيس"، كأكبر الدول الأعضاء عددًا للسكان مما جعل عدد أعضاء البرلمان الأوروبي الممثلين لألمانيا هو الأكبر (99 عضوًا)، يليها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا 72 عضوًا، ثم تنامى نفوذها لدرجة أنها أصبحت القائد الحقيقي مع توالي اتخاذها القرارات المصيرية وبالذات في أزمتي مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، ثم أزمة الديون اليونانية والمحتمل انتقالها لدول أخرى، مثل: إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، خاصة أن ألمانيا تدفع النصيب الأكبر (211 مليار يورو) من المساهمات في ميزانية مظلة الإنقاذ المالي لمنطقة اليورو(6).

من ناحية أخري استطاعت ألمانيا استغلال انهيار الاتحاد السوفيتي بتوحيد شطريها الشرقي والغربي، ثم بتوسيع الاتحاد الأوروبي لأكبر حد ممكن (رغم أن هذا كان له تداعياته التي تجلَّت في أزمة الديون الأوروبية)، كما نجحت في ملء الفراغ الذي تركه سقوط الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية، ليصل نفوذها الإقليمي إلي الحدود الروسية، حتى إن المارك الألماني كان عملة معترفًا بها في عديد من دول شرق أوروبا قبل دخول اليورو.

الانضمام للأمم المتحدة وحلف الناتو

وقد انضمت ألمانيا إلى الأمم المتحدة عام 1973 وأصبحت في سنوات قليلة إحدى أهم دولها، وباتت ثالث أكبر دولة مساهمة في تمويل الأمم المتحدة وتتحمل عشرة بالمائة من ميزانيتها البالغة 1,6 مليار دولار، ومع تزايد مساهماتها المالية والسياسية بمشاركاتها المهمة في التفاوض في القضايا الدولية، ثم زيادة مساهماتها العسكرية في مهام الأمم المتحدة لمواجهة أعباء القضايا الدولية باتت من أهم المرشحين للانضمام للدول دائمة العضوية في المطالب المتكررة لتوسيع مجلس الأمن ليكون أكثر تعبيرًا عن دول العالم في القرن الحادي والعشرين، لا كما كان إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية(7).

كما كانت ألمانيا الاتحادية قد انضمت لحلف الأطلسي في 9 مايو 1955، ولكن طبقًا للقانون الألماني الذي لم يكن يسمح بإرسال قوات عسكرية خارج أراضيها، فإن دورها كان يقتصر على تقديم الدعم اللوجيستي إضافة لوجود القواعد الأميركية على أراضيها، وما سُمِّي بسياسة "الشيكات" بتمويل الحملات العسكرية لدول الحلف كما حدث في حرب الخليج الأولى.

وقد اهتمت ألمانيا بتطوير جيشها وزيادة مشاركاته خارج الأراضي الألمانية بوضوح  في إطار حلف الناتو ومهام الأمم المتحدة لحفظ السلام منذ حرب كوسوفو ثم أفغانستان، حتي بلغ عدد جنودها المتواجدين في بلاد أجنبية 6793 جنديًّا منهم 4734 في "إيساف" في أفغانستان وأوزبكستان، و1226 في "كي فور" في كوسوفو، و341 في "أطلنطا" في القرن الإفريقي، و227 في "يونيفيل" في لبنان، والباقون في مهام في ألمانيا وجنوب السودان والسودان والمجر وأوغندا والكونغو والبوسنة(8).

من ناحية أخرى فإنها طوّرت صناعتها التسليحية المتفوقة تكنولوجيًّا لدرجة أنها أصبحت ثالث أكبر دولة مصدرة للسلاح في العالم مباشرة بعد الولايات المتحدة وروسيا؛ حيث احتلت 11% من سوق تصدير السلاح العالمي في الفترة بين 2006 و2010 (بمبلغ 13,215 مليار دولار) مقابل 30% للولايات المتحدة (بمبلغ 36,552 مليار دولار)، و23% لروسيا (بمبلغ 27,781 مليار دولار)، ومتقدمة على فرنسا التي احتلت المرتبة الرابعة بنسبة 7% (بمبلغ 9,057 مليار دولار)، وبريطانيا الخامسة 4% (بمبلغ 5,018 مليار دولار) (9).

القوة الناعمة

تُعد ألمانيا الدولة الأوروبية الأكثر سكانًا بحوالي 82,3 مليون نسمة، يشكِّل المهاجرون نسبة 9% منهم، وهي ثالث أكبر دولة تستقبل مهاجرين سنويًّا.

ويحتل التعليم والبحث العلمي أهمية بالغة في ألمانيا بوجود 383 مؤسسة للتعليم العالي منها 103 جامعات و176 معهدًا تخصصيًّا عاليًا. ويقارب عدد الدارسين 2 مليون دارس، وتحتل المرتبة الأولى في أوروبا من حيث عدد براءات الاختراع، والثالثة بعد اليابان والولايات المتحدة من خلال 11188 براءة اختراع فردية مسجلة، وهو ما انعكس في حصول علمائها وباحثيها علي 80 جائزة نوبل(10).

ومن أهم علمائها ألبرت أينشتاين صاحب نظرية النسبية الأشهر، وماكس بلانك صاحب نظرية الكم، ورونتجن مكتشف الأشعة التي سُميت باسمه، وفيرنر فون براون الذي طور أول صاروخ فضائي، ويوحنا جوتنبرج مكتشف الطباعة، وكونراد زيوس أول من صنع حاسوبًا رقميًّا.

هذا إلى جانب أهم الفلاسفة، مثل "كانت" و"هيجل " و"شوبنهور" و"نيتشه"، وأهم الشعراء مثل "جوته" و"شيلر"، وأهم علماء الاجتماع، مثل "ماكس فيبر" و"هابر ماس"، وأهم المفكرين السياسيين، مثل "ماركس" و"أنجلز"، وأهم الموسيقيين، مثل "بيتهوفن" و"باخ"، وأدباء مثل "جونتر جراس".

وتشتهر ألمانيا بالرياضة وعلى رأسها كرة القدم التي حصل منتخبها الوطني علي كأس العالم ثلاث مرات، و 4 مرات للمرتبة الثانية ومثلها للمرتبة الثالثة، وكذلك حصل علي كأس الأمم الأوروبية 3 مرات ومثلها للمرتبة الثانية.

كما تُولِي ألمانيا اهتمامًا خاصًّا لالفنون، وبالذات مهرجان برلين السينمائي الدولي الذي استطاعت أن تجعله أكبر مهرجان سينمائي دولي ليتفوق في الحضور الجماهيري علي مهرجاني كان وفينيسيا.

المحور الألماني-الفرنسي في مواجهة واشنطن

ومع كل ذلك تزايد شعور ألمانيا بثقتها في نفسها وإمكاناتها وقدراتها، إلا أن الموقف الفارق لهذا البلد الذي حصل على استقلاليته الاقتصادية دون استقلاليته السياسية عن الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تمثل في رفضها القاطع  للحرب الأميركية على العراق في عام 2003، والتي اعتبرها البعض بمثابة "إعلان الاستقلال الحقيقي" عن الهيمنة السياسية الأميركية؛ حيث اصطدم المستشار جيرهارد شرودر حينها بالرئيس الأميركي جورج بوش في مواجهة ضارية ليس فقط لرفض قبول ألمانيا المشاركة العسكرية للحرب ولسياسة الشيكات، بل ووقوفها موقفًا معارضًا ومعرقلاً للحرب حتى أفشلت مع فرنسا حصول واشنطن علي قرار من الأمم المتحدة لتبرير الحرب.

alt
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تتحدث مع رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل أثناء انعقاد قمة ببروكسل (أرشيف - رويترز)

وقد اشتدت المواجهات بين واشنطن ومحور برلين-باريس، لدرجة وصف الإعلام الأميركي لهذا المحور بـ "دول الحلفاء" في مواجهة "دول المحور"، ووصف وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد ألمانيا وفرنسا بأنهما يمثلان "أوروبا العجوز"، بينما جعل المستشار شرودر الصراع هو أهم نقاط حملته الانتخابية، بل ووصل الأمر بوزيرة العدل في حكومته" هيرتا دوبلر جملين" أن تشبه بوش بأدولف هتلر(11).

ورغم أن حكم حزب المستشارة أنجيلا ميركل المحافظ قد خفّف من المواجهة الألمانية-الأميركية، إلا أن الاستقلالية التي أحدثها شردور قد استمرت، إلى جانب تثبيت المحور الألماني-الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي، وداخل الناتو وفي الأمم المتحدة، والرافض للوصاية الأميركية علي أوروبا، ولتدخلاتها في إفريقيا، ومحاولة السيطرة على ثروات العالم، ولمحاولة تحكمها في الاقتصاد الدولي بفرض واشنطن قيودًا تجارية على الدول التي لا تؤيد سياساتها التجارية في العالم، ورفض تقليص الفوائد المصرفية المفروضة على الشركات والمؤسسات الأميركية، وتأييد دخول الصين والمملكة العربية السعودية وروسيا منظمة التجارة العالمية(12).

وبوجه عام تؤكد ألمانيا بوضوح على رفض الوصاية الأميركية على العالم، من خلال تأكيدها على فكرة التعددية القطبية تحت إطار الأمم المتحدة، مع وجود رغبة ملحّة للنخبة السياسية الألمانية الشابة للخروج من حالة التبعية للأخ الأميركي الأكبر إلى لعب دور ألماني أكبر على حلبة السياسة الدولية(13).

ومع ذلك توجد اختلافات وخلافات أحيانًا بين الموقفين الألماني والفرنسي ولكنها ليست بالجوهرية، فرفض ألمانيا المشاركة في التصويت على قرار لمجلس الأمن بالتدخل العسكري في ليبيا وسوريا متوافق مع قناعاتها بعدم اللجوء إلى القوة إلا في حدوده الدنيا، بينما فرنسا لها مصالح سياسية وجيوستراتيجية في إفريقيا تسعى لحمايتها من الانفراد الأميركي، ورغم وجود خلافات اقتصادية بين ميركل والرئيس الفرنسي الجديد أولاند إلا أنه سرعان ما سيتم تجاوزها بتقديم ميركل لحلول وسط، حتى يعود المحور الألماني-الفرنسي، ولكن بقيادة ألمانيا؛ وهو ما سينعكس على العلاقات الألمانية-العربية، فهذا المحور يفتح بابًا لإحداث نوع من التوازن في العلاقات العربية-الغربية، خاصة أن ألمانيا ليس لها ماض استعماري مع العرب، وتؤيد إلي حد كبير الدخول في شراكة ألمانية-عربية بعلاقات خاصة مع مصر والسعودية، إلى جانب دفع الاستثمارات الألمانية والاستفادة من الخبرات التكنولوجية لها.

أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن موقف ألمانيا ورغم أنه أصبح أكثر انتقادًا للتصرفات الإسرائيلية لدرجة وصف بعض سياسيها أحيانًا بأنها تصل إلى "حرب إبادة جماعية"، وقيامها بدور وساطة في عمليات تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله وحماس، إلا أنه لن يتغير كثيرًا بسبب الإرث النازي، فسياستها قائمة على دعم العملية السلمية في إطار حل الدولتين لكن مع أولوية "الحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل"،  بما في ذلك إهداؤها غواصات يمكن تحميلها بالرؤوس النووية.

إلا أنه يبدو واضحًا أن ألمانيا فرضت إرادتها في النهاية، وهو ما عكسه الاعتراف الضمني لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" -في عددها الصادر 27 فبراير/شباط 2012- بأن ألمانيا الأغنى والأكبر أصبحت الزعيم الفعلي لأوروبا، وذهبت إلى أن "مصير الاقتصاد العالمي يكمن الآن في أيدي المسؤولين الألمان"، وختمت برأي المحلل الألماني الشهير "جوزيف جوفه" الذي قال فيه "يمكنني القول إن ميركل أصبحت ملكة أوروبا"، مضيفا قوله "وقد ولت الأيام التي كان ينظر فيها إلى ألمانيا باعتبارها قوة على الصعيد الاقتصادي وقزما على الصعيد السياسي... بعد أن نجح العملاق الاقتصادي في التحول أيضاً إلى عملاق سياسي". (14)
________________________________
وليد الشيخ - باحث متخصص في الشأن الألماني.

هامش
(*) مبنى الرايخستاج هو مبنى البرلمان السابق في الرايخ الألماني افتتح في عام 1894م حتى عام 1933م عندما تم احراقه، ويعد بمثابة برلمان حقيقي للنظام النازي (1933-1945) وفي سنة 1990 تم تغيير اسمة إلى البوندستاغ.

*مركز الجزيرة للدراسات

إدارة الأزمات: الأسباب والحلول

علي احمد فارس

لا يخفى على المتابع لسير الأحداث بخاصة السياسية منها ما للازمات بكل انواعها من دور في تاريخ الشعوب والمجتمعات سواء على صعيد الهدم او البناء, وقراءة متأنية لدور الازمة بشكل عام يفضي بنا الى تلمس خيط يقودنا الى حقيقة مفادها ان المجتمعات التي اعتمد الهرم القيادي فيها على فرق خاصة وكفوءة في التعامل مع الازمات كانت اصلب عودا واكثر على المطاوعة والاستمرار من قريناتها التي انتهجت اسلوبا مغايرا تمثل بالتصدي المرتجل والتعامل بطرق غير مدروسة سلفا مع بؤر الصراع والتوتر ما ادى بالتالي الى ضعفها وتفككها فالازمات ظاهرة ترافق سائر الامم والشعوب في جميع مراحل النشوء والارتقاء والانحدار.

 ولو امعنا النظر في ثنايا الاحداث التاريخية الكبرى لوجدنا ان الازمة على مر العصور تتوسط المراحل المهمة في حياة الشعوب, فبين كل مرحلة ومرحلة جديدة ثمة ازمة تحرك الاذهان وتشعل الصراع وتحفز الابداع وتطرق فضاءات بكر تمهد السبيل الى مرحلة جديدة, غالبا ما تستبطن بوادر ازمة اخرى وتغييرا مقبلا آخر، وكان لنمو واتساع،المجتمعات ونضوب الموارد المتنوعة وشدة المنافسة السياسية والاقتصادية الكلمة الفصل في طول حياة الازمات الى حد اصبح تاريخ القرن السابق على سبيل المثال يشكل سلسلة من ازمات تتخللها مراحل قصيرة من الحلول المؤقتة, ومن هنا فقد نشأت افكار جدية من اجل دراسة وتحليل الازمة ومحاولة الخروج منها بأقل الخسائر وتأخير الازمة اللاحقة ان تعذر تعطيلها.

 ويرى شير مهورن (schermehorn) ان الازمة الادارية انما هي مشكلة غير متوقعة قد تؤدي الى كارثة ان لم يجر حلها بصورة سريعة.

 وعرفها (اللوزي) بأنها كل موقف او حدث يؤدي الى احداث تغيرات ايجابية وجادة في النتائج وهي حدث او تراكم لمجموعة من، احداث غير متوقع حدوثها تؤثر في نظام المؤسسة او جزء منه وهي من الناحية العملية انقطاع عن العمل كليا او جزئيا لمدة تطول او تقصر لسبب معين يتبعها تأثر الكيان وتحوله.

 الاسباب المؤدية الى نشوء الازمات

 اولا: الاسباب الانسانية وتشمل:

1- سوء التقدير والاحترام.

2- حب السيطرة والمركزية الشديدة.

3- تعارض الاهداف والمصالح.

ثانيا: الاسباب الادارية و تشمل:

1- سياسات مالية مثل ارتفاع التكاليف وضعف قدرة الرقابة.

2- عدم التخطيط الفعال.

3-اتخاذ القرارات بشكل عشوائي.

4- عدم وجود انظمة حوافز ناجحة.

5- عدم توفر الوصف الوظيفي الجيد للمهام والواجبات.

وعلى اية حال فان الازمة هي حالة انتقال من مرحلة الى اخرى يصاحبها نقص شديد في المعلومات وحالة من عدم التأكد، وهي مفتاح التطور والتغيير نحو الافضل او التقهقر والهلاك.

وعليه فلابد من تنصيب برنامج او اكثر، يتم تشغيله في ظروف الطوارئ، اذا ما اراد القائمون على الواقع السياسي والاداري تفادي مصير التقهقر والهلاك على اقل تقدير, وبرنامج من هذا القبيل هو عبارة عن منهج يمثل تقنية تستخدم لمواجهة الحالات الطارئة التي لا يمكن تجنبها واجراء التحضيرات اللازمة لها قبل وقوعها. وهو بمعنى اكثر دقة اشبه بمحاولة تجميع المعلومات اللازمة عن مسببات الازمة ومن ثم تحليلها واتخاذ القرار المناسب بشكل سريع وفاعل. 

خصائص الازمات الإدارية ومواصفاتها

1. المفاجئة العنيفة والشديدة لدرجة انها تكون قادرة على شد الانتباه لجميع الافراد والمنظمات.

2.التشابك والتداخل في عناصرها وعواملها واسبابها.

3. عدم التأكد وعدم توفر المعلومات مما يسبب الاخطاء في اتخاذ القرارات وبالتالي تفاقم وتدهور الاوضاع.

4.غالبا ما يصاحبها امراضا سلوكية غير مستحبة كالقلق والتوتر وحالات عدم الانتباه واللامبالاة.

5. وجود مجموعة من الضغوط المادية والنفسية والاجتماعية تشكل في مجموعها ضغطا ازمويا على الجهاز الاداري.

6. ظهور القوى المعارضة والمؤيدة (اصحاب المصالح) ما يفاقم، من شدة الازمة.

مراحل الازمة وادارتها

تقسم مراحل الازمة ومن ثم ادارتها الى:

1- مرحلة الصدمة:

وهو ذلك الموقف الذي يتكون نتيجة الغموض ويؤدي الى الارباك والشعور بالحيرة وعدم التصديق لما يجري وهي مرحلة تتناسب عكسيا مع مدى معرفة وادراك الانسان.

2- مرحلة التراجع:

تحدث هذه المرحلة بعد حدوث الصدمة, وتبدأ بوادر الاضطراب والحيرة بالظهور بشكل متزايد ويصاحب ذلك اعراض منها زيادة حجم الاعمال التي لا جدوى منها (الاعمال الفوضوية).

3- مرحلة الاعتراف:

وهنا تتجلى عقلانية التفكير - فيما بعد امتصاص- الصدمة حيث تبدا عملية ادراك واسعة ومراجعة للازمة بغية تفكيكها.

4- مرحلة التأقلم:

حيث يتم استخدام استراتيجيات معينة بالاضافة الى استخدام الموارد البشرية والمادية في المنظمة للتعامل والتخفيف من آثار اللازمة. وما لم يتم التعامل بذكاء وحذر في هذه المرحلة فان الامور سوف تتجه الى بخط بياني نحو الكارثة. وقد اطلقت على هذه المرحلة تسميات اخرى من ابرزها، مرحلة الانذار المبكر او مرحلة اكتشاف اشارات الخطر, وهي بهذا المعنى اولى خطوات ادارة الازمة تليها مجموعة اساليب وقائية وسيناريوهات معينة تتابع احداث الازمة وتحدد لكل فرد في فريق الازمة، دوره بمنتهى الوضوح. وتهيئ وسائل عمل تحد من الاضرار وتمنعها من الانتشار.

 والى هنا نكون قد وصلنا الى المرحلة التالية من مراحل ادارة الازمة الا وهي مرحلة استعادة النشاط وتشتمل على اعداد وتنفيذ برامج قصيرة وطويلة الاجل سبق وان تم اختبارها بنجاح على ازمات مشابهة وعادة ما تكتنف هذه المرحلة، روح الحماس تقود الى تماسك الجماعة وتكاتفها،في مواجهة الخطر.

اساليب حل الازمات والتعامل معها

هناك نوعان من اساليب حل الازمات الاول معروف متداول،ويصطلح عليه بالطرق التقليدية،والثاني عبارة عن طرق لاتزال في معظمها،قيد التجريب ويصطلح عليها بالطرق غير التقليدية:

اولا:الطرق التقليدية:

واهم هذه الطرق:

1. انكار الازمة:

حيث تتم ممارسة تعتيم اعلامي على الازمة وانكار حدوثها, واظهار صلابة الموقف وان الاحوال على احسن ما يرام وذلك لتدمير الازمة والسيطرة عليها. وتستخدم هذه الطريقة غالبا في ظل الانظمة الدكتاتورية والتي ترفض الاعتراف بوجود اي خلل في كيانها الاداري.

وافضل مثال لها انكار التعرض للوباء اواي مرض صحي وما الى ذلك.

2. كبت الازمة:

وتعني تأجيل ظهور الازمة , وهونوع من التعامل المباشر مع الازمة بقصد تدميرها.

3. اخماد الازمة:

وهي طريقة بالغة العنف تقوم على الصدام العلني العنيف مع قوى التيار الازموي بغض النظر عن المشاعر والقيم الانسانية.

4. بخس الازمة:

اي التقليل من شأن الازمة ( من تأثيرها ونتائجها ). وهنا يتم الاعتراف بوجود الازمة ولكن باعتبارها ازمة غير هامة.

5. تنفيس الازمة:

وتسمى طريقة تنفيس البركان حيث يلجأ المدير الى تنفيس الضغوط داخل البركان للتخفيف من حالة الغليان والغضب والحيلولة دون الانفجار.

6. تفريغ الازمة:

وحسب هذه الطريقة يتم ايجاد مسارات بديلة ومتعددة امام قوة الدفع الرئيسية والفرعية المولدة لتيارالازمة ليتحول الى مسارات عديدة وبديلة تستوعب جهده وتقلل من خطورته.

ويكون التفريغ على ثلاث مراحل:

 أ. مرحلة الصدام: او مرحلة المواجهة العنيفة مع القوى الدافعة اللازمة لمعرفة مدى قوة الازمة ومدى تماسك القوى التي انشأتها.

 ب. مرحلة وضع البدائل: وهنا يقوم المدير بوضع مجموعة من الاهداف البديلة لكل اتجاه او فرقة انبثقت عن الصدام. وهذه العملية تشبه الى حد ما لعبة البليارد.

 ج. مرحلة التفاوض مع اصحاب كل فرع او بديل:

 اي مرحلة استقطاب وامتصاص وتكييف اصحاب كل بديل عن طريق التفاوض مع اصحاب كل فرع من خلال رؤية علمية شاملة مبنية على عدة تساؤلات مثل ماذا تريد من اصحاب الفرع الاخر وما الذي يمكن تقديمه للحصول على ما تريد وما هي الضغوط التي يجب ممارستها لاجبارهم على قبول التفاوض ؟،،

8- عزل قوى الازمة:

يقوم مدير الازمات برصد وتحديد القوى الصانعة للازمة وعزلها عن مسار الازمة وعن مؤيديها وذلك من اجل منع انتشارها وتوسعها وبالتالي سهولة التعامل معها ومن ثم حلها او القضاء عليها.

ثانيا: الطرق غير التقليدية: 

وهي طرق مناسبة لروح العصر ومتوافقة مع متغيراته واهم هذه الطرق ما يلي،:-

1- طريقة فرق العمل:

وهي من اكثر الطرق استخداما في الوقت الحالي حيث يتطلب الامر وجود اكثر من خبير ومتخصص في مجالات مختلفة حتى يتم حساب كل عامل من العوامل و تحديد التصرف المطلوب مع كل عامل.

 وهذه الطرق اما ان تكون مؤقتة او تكون طرق عمل دائمة من الكوادر المتخصصة التي يتم تشكيلها،وتهيئتها لمواجهة الازمات واوقات الطواريء،.

2- طريقة الاحتياطي التعبوي للتعامل مع الازمات:

 حيث يتم تحديد مواطن الضعف ومصادر الازمات فيتم تكوين احتياطي تعبوي وقائي يمكن استخدامه اذا حصلت الازمة. وتستخدم هذه الطريقة غالبا في المنظمات الصناعية عند حدوث ازمة في المواد الخام او نقص في السيولة.

3- طريقة المشاركة الديمقراطية للتعامل مع الازمات:

وهي اكثر الطرق تاثيرا وتستخدم عندما تتعلق الازمة بالافراد او يكون محورها عنصر بشري.وتعني هذه الطريقة الافصاح عن الازمة وعن خطورتها وكيفية التعامل معها بين الرئيس والمرؤوسين بشكل شفاف وديمقراطي.

4- طريقة الاحتواء: اي محاصرة الازمة في نطاق ضيق ومحدود ومن الامثلة على ذلك الازمات العمالية حيث يتم استخدام طريقة الحوار والتفاهم مع قيادات تلك الازمات،.

5- طرية تصعيد الازمة:

وتستخدم عندما تكون الازمة غير واضحة المعالم وعندما يكون هناك تكتل عند مرحلة تكوين الازمة فيعمد المتعامل مع الموقف، الى تصعيد الازمة لفك هذا التكتل و تقليل ضغط الازمة.

6- طريقة تفريغ الازمة من مضمونها:

وهي من انجح الطرق المستخدمة حيث يكون لكل ازمة مضمون معين قد يكون سياسيا اواجتماعيا او دينيا او اقتصاديا او ثقافيا او اداريا وغيرها،ومهمة المدير هي افقاد الازمة لهويتها ومضمونها وبالتالي فقدان قوة الضغط لدى القوى الازموية ومن طرقها الشائعة هي:

أ- التحالفات المؤقتة

ب- الاعتراف الجزئي بالازمة ثم انكارها.

ج- تزعم الضغط الازموي ثم توجيهه بعيدا عن الهدف الاصلي.

7-طريقة تفتيت الازمات:

وهي الافضل اذا كانت الازمات شديدة وخطرة وتعتمد هذه الطريقة على دراسة جميع جوانب الازمة لمعرفة القوى المشكلة لتحالفات الازمة وتحديد اطار المصالح المتضاربة والمنافع المحتملة لاعضاء هذه التحالفات ومن ثم ضربها من خلال ايجاد زعامات مفتعلة وايجاد مكاسب لهذه الاتجاهات متعارضة مع استمرار التحالفات الازموية. وهكذا تتحول الازمة الكبرى الى ازمات صغيرة مفتتة.

8- طريقة تدمير الازمة ذاتيا وتفجيرها من الداخل:

وهي من اصعب الطرق غير التقليدية للتعامل مع الازمات ويطلق عليها طريقة (المواجهة العنيفة ) او الصدام المباشر وغالبا ما تستخدم في حالة عدم توفر المعلومات وهذا مكمن خطورتها وتستخدم في حالة التيقن من عدم وجود البديل ويتم التعامل مع هذه الازمة على النحو التالي:

أ- ضرب الازمة بشدة من جوانبها الضعيفة.

ب- استقطاب بعض عناصر التحريك والدفع للازمة

ج- تصفية العناصر القائدة للازمة

د- ايجاد قادة جدد اكثر تفهما

9- طريقة الوفرة الوهمية:

 وهي تستخدم الاسلوب النفسي للتغطية على الازمة كما في حالات،فقدان المواد التموينية حيث يراعي متخذ القرار توفر هذه المواد للسيطرة على الازمة ولو مؤقتا.

10- احتواء وتحويل مسار الازمة:

وتستخدم مع الازمات بالغة العنف والتي لا يمكن وقف تصاعدها وهنا يتم تحويل الازمة الى مسارات بديلة ويتم احتواء الازمة عن طريق استيعاب نتائجها والرضوخ لها والاعتراف باسبابها ثم التغلب عليها ومعالجة افرازاتها ونتائجها، بالشكل الذي يؤدي الى التقليل من اخطارها.

اما اذا كانت الازمة ناتجة عن مسبب خارجي فيمكن عندئذ استخدام الاساليب التالية:

أ- اسلوب الخيارات الضاغطة. مثل التشدد وعدم الاذعان والتهديد المباشر.

ب- الخيارات التوفيقية: حيث يقوم احد الاطراف بابداء الرغبة في تخفيف الازمة ومحاولة ايجاد تسوية عادلة للاطراف.

ج- الخيارات التنسيقية: اي استخدام كلا الاسلوبين الاخيرين،اي التفاوض مع استخدام القوة.

ختاما فان ما قدمناه يمكن ان يصلح دليلا يسلط الضوء الى حد ما على مفاصل الازمة بخاصة الادارية او السياسية منها , الامر الذي يؤدي اذا ما تم التعاطي مع ابرز مفرداته ايجابيا من قبل صناع القرار الى وضع تصور اولي لحل الازمات التي تواجه الطاقم السياسي بين الحين والحين الاخر , سيما وان سلسلة الازمات في البلاد يبدو انها مرشحة للاتساع من حيث المدى والنوع مع الاخذ بنظر الاعتبار، ملفات لم تزل تنتظر الحسم السياسي وأخرى في طور التشكل او الاستفحال.

 

*مركز المستقبل للدراسات والبحوث

انظر ايضا: ادارة الكوارث

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A6

عمان..وجهة نظر مختلفة

                                                     alt              

لا أتذكر متى كانت آخر مرة تصدرت سلطنة عمان الأخبار، لم تكن أبدا في عناوين الأخبار الرئيسة. وهذه ميزة في منطقتنا، حيث لا يحتل عناوينها عادة إلا الأشرار أو الضحايا. إنما تصريح عُماني واحد ضد انتقال مجلس التعاون الخليجي إلى حالة الاتحاد لفت انتباه الكثيرين.. ما عداه القليل قيل أو نقل عن مسقط.

في مجلس التعاون، اعتدنا حالتين متناقضتين؛ صاخبة جدا تمثلها قطر، وأخرى هادئة جدا هي عُمان، وقد استوعبهما المجلس، على الرغم من التناقضات الحادة. سلطنة عمان عُرفت بأنها أكثر الأعضاء انسجاما، بل أكثرهم مثالية من حيث العلاقة المستمرة مع الجميع، تقريبا.

أما بالنسبة للاتحاد الخليجي المقترح، فلا أعتقد أنه يستوجب الاحتجاج بمثل ما صرح به الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي، في البحرين، قبل أيام. المشروع مطروح منذ نحو عامين، ومن حق أي دولة عضو أن تقبله أو ترفضه، أو على الأقل أن تتمناه. ربما ملاحظاتي البسيطة هي حول مبررات الوزير الذي قال، معللا رفضه، إنه ليس هناك ما يدعو للاستعجال نحو الاتحاد. وهذا صحيح، لولا أن المجلس بلغ من العمر عتيا؛ 33 عاما! وأن الاتحاد المقترح، الذي استكثره، هو أقل حتى من الوحدة التي وردت في ديباجة تأسيس المجلس، قبل ثلاثة عقود. والصيغة المقترحة هي نموذج الاتحاد الأوروبي، الذي لا يلزم أي دولة بما لا تريده.

وفي تصوري، فإن سلطنة عمان ربما أكثر الدول ملاءمة للاتحاد من غيرها، لمعرفتنا بشخصيتها الهادئة، ونجاحها في البناء الداخلي اقتصاديا وتعليميا وإنسانيا، كدولة كبيرة لا تخشى من الذوبان، هي الثانية مساحة بين الدول الست. ولا أبالغ في القول إنها أفضلهم في التنمية الداخلية، على الرغم من ضعف مواردها المالية. ومع أنها تبيع كمية قليلة من النفط (هي المصدر رقم 27 في العالم، وبمداخيل 36 مليار دولار)، وضعت لنفسها ميزانية إنفاق نحو 28 مليار دولار فقط. النتيجة أكثر فعالية ونجاحا. ولهذا حظ السلطنة مكانة أكبر في ظل توسيع التعاون الاقتصادي خليجيا. ومن دون توسيع التعاون، فإن المستقبل صعب على الجميع. عُمان، مثل بقية دول المجلس، تواجه تحديات صعبة، اقتصادها يقوم على النفط، وأسعار النفط، كما نرى ونسمع، مهددة بالاكتشافات وتقنيات الإنتاج الجديدة. أيضا، عُمان، مثل بقية شقيقاتها الخليجية، فيها نصف السكان تحت سن الـ25 عاما، الذي سيعني الكثير من المصاعب للحكومات. ومعظمهم مسلّح بأفضل وسائل تقنية التواصل، ففي عمان ثلاثة ملايين نسمة وخمسة ملايين هاتف جوال. وفي سوق العمالة نحو 60 في المائة أجانب، أي أن الصورة مشابهة لجاراتها؛ طلاب الوظائف في ازدياد مخيف، وتوقعاتهم المعيشية عالية، والمنافسة مع الغير ليست سهلة.

سياسيا، عُرفت السلطنة بمنهج حيادي جنبها كثيرا من المشكلات، وعندما تبين، خلال الأسابيع القليلة الماضية، أنها كانت ساعي البريد بين إيران والولايات المتحدة في الملف النووي، ظن البعض أنه دور جديد لعمان، في حين لم يكن الأول، بل سبق للسلطنة في السنوات الماضية أن نقلت الرسائل بين واشنطن وطهران، مثل سويسرا، بحكم وجود سفارة لها في طهران، إنما لم تكن مسقط وسيطا، ولا لها وساطة، بل اختيرت كطرف ناقل محايد. ولا يوجد للإيرانيين نشاط في عمان، وليست على رأس الدول التي تبادلها التجارة، وفي الأخير العمانيون أدرى بما يخدم مصالحهم.

*عبدالرحمن الراشد - الشرق الاوسط

فندق يقدم لزبائنه تجربة سجن حقيقة!

فندق الكتراز

هل سبق ان شعرت بالفضول حول تجربة العيش في سجن ولكن سجلك نظيف تماما ! الان اصبح لديك الفرصة لتجربة ذلك , ولكن ليس في سجن حقيقي بالتاكيد ,انما في فندق الكتراز في لندن .    

الفندق تم تصميمه بطريقة مشابهة لسجن الكتراز المعروف الواقع في سان فرنسيسكو , والذي تم اغلاقه في العام 1963

كل شيء تم تصميمه في هذا الفندق صمم ليجعلك تعيش تجربة السجن الحقيقية, وبمجرد دخوله فيجب ان تنسى ان تتم معاملتك كضيف مميز , لان افضل ما ستحصل عليه هو الطعام الجيد كاللذي كان يقدم لسجناء الكتراز في الماضي , حيث كان مسئولوا السجن في تلك الفترة يعتقدون ان الطعام الجيد سيساهم في منع العنف بين السجناء . وسيتوجب عليك ارتداء زي المساجين واخذ صورة لك , ثم ستدخل الى سجنك المكون من سرير( بدون بطانيات!) ومرحاض وحوض فقط . وسيقوم المساجين (الضيوف) بعدد من المهمات البدنية التي يقوم بها السجناء عادة .وسيتم التعامل معك كسجين حقيقي!

كل شيء تم تصميمه في هذا الفندق صمم ليجعلك تعيش تجربة السجن الحقيقية, وبمجرد دخوله فيجب ان تنسى ان تتم معاملتك كضيف مميز , لان افضل ما ستحصل عليه هو الطعام الجيد كاللذي كان يقدم لسجناء الكتراز في الماضي , حيث كان مسئولوا السجن في تلك الفترة يعتقدون ان الطعام الجيد سيساهم في منع العنف بين السجناء . وسيتوجب عليك ارتداء زي المساجين واخذ صورة لك , ثم ستدخل الى سجنك المكون من سرير( بدون بطانيات!) ومرحاض وحوض فقط . وسيقوم المساجين (الضيوف) بعدد من المهمات البدنية التي يقوم بها السجناء عادة .وسيتم التعامل معك كسجين حقيقي!

فندق الكتراز

 

فندق الكتراز

 

فندق الكتراز

 

*المرجع :انثى نصف الخلق واكثر

تجربة سجن ستانفورد- من اغرب التجارب في التاريخ!

يعتبر اختبار سجن ستانفورد دراسة نفسية هامة عنيت بالاستجابات الإنسانية للأَسْر، واهتمت بالظروف الحقيقية لحياة السجن. تم إجراء الاختبار في العام 1971 تحت اشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد. وقد قام بأداء دور الحراس والسجناء متطوعون وذلك في بناء يحاكي السجن تماماً. إلا أن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود السيطرة وتم إيقافها باكراً.

(قامت البحرية الأمريكية بتمويل الدراسة لفهم الصراعات في نظام السجن عندها. تم الإعلان عن التجربة في الجرائد للحصول على مشاركين مقابل 15$ كل يوم (75$ بأسعار 2006) للمشاركة في ((محاكاة لسجن)) مدتها أسبوعين. استجاب للإعلان 70 شخص، اختار زيمباردو منهم 24 كانوا الأكثر ملائمة من حيث الاستقرار النفسي والصحة البدنية. غالبيتهم كانوا من البيض، الذكور، ومن الطبقة الوسطى، وهم جميعاً طلاب في المرحلة الجامعية.)

فيليب زيمباردو كان لديه دوماً تساؤلاً غريباً: لماذا تصبح السجون مكاناً خصباً للعنف والجريمة هل بسبب طبيعة المسجونين أم أنها نتيجة لتأثير التآكل في هيكل السلطة من السجون نفسها ؟ ولمعرفة الإجابة قام فيليب بإنشاء سجن وهمي في الطابق السفلي من قسم علم النفس بجامعة ستانفورد وكان سكانه من الشباب المتطوعين وتم عمل سجلات جنائية للمقيمين بالسجن كما لو أنه سجن حقيقي ثم قام بتقسيم المتطوعين إلى جزئين، جزء يعمل كسجناء والجزء الآخر هم الحراس، ثم قام بوضع جدول لمراقبتهم يستمر لمدة أسبوعين وكانت النتيجة مذهلة! في أول ليلة تدهورت الأمور بشكل سريع وقام السجناء بتنظيم تمرد وشعر الحراس بالخطر لذلك قاموا بفرض قوانين صارمة على المحتجين عن طريق عمليات التفتيش العشوائية والسب والحرمان من النوم وأشياء أخرى من هذا القبيل، تحت هذا الضغط بدأ السجناء في الانهيار وخرج أول شخص بعد مرور 36 ساعة فقط وفي غضون 6 أيام كان هناك 4 أشخاص خارج السجن وأخذ الوضع في التدهور أكثر وأكثر حتى أن فيليب نفسه شعر بالخطر وفكر في استدعاء الشرطة للسيطرة على الأمر ولكنة قام بإنهاء التجربة بعد 6 أيام خوفاً من تطور الأوضاع للأسوأ.

الخلاصة
يعتبر هذا الاختبار عرضاً لأنماط الطاعة والانصياع التي يبديها الناس عندما يتعرضون لنظام أيديولوجي يحظى بدعم اجتماعي ومؤسساتي. لقد تم توظيف هذا الاختبار لتوضيح وفهم معالم قوة (السلطة)، وتبدو نتائح هذا الاختبار متوافقة مع اختبار أخر أجراه (ميلغرام) وسمي باسمه، وهو كذلك من حيث أنه يدعم فكرة ((التنسيب المكاني)) التي تقول بأن الوضع أو الواقع هو الذي سبب سلوك الأفراد في الاختبار أكثر من أي شيء موروث في شخصياتهم.

لمزيد من المعلومات عن سيرورة التجربة ونتائجها الرجاء الضغط على الرابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/اختبار_سجن_ستانفورد

 

*طلاب علم النفس في فلسطين

اول اتصال دبلوماسي بين المغرب وبريطانيا عام 1213 م

لندن تحتفل في فبراير 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا» في المكتبة البريطانية

 
alt
الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
alt
الملك محمد السادس والأمير تشارلز
 محمد بن الماحي 
  تظل المملكة المغربية الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتعت - وما زالت - بعلاقات واسعة ومتنوعة مع المملكة المتحدة على نحو يفوق الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية. تتميز هذه العلاقات بتشكيل تحالفات استراتيجية، بالإضافة إلى التبادل التجاري والثقافي الذي أسهم، بطريق مباشر أو غير مباشر، في تشكيل الهوية الخاصة بكل من المملكتين، بالإضافة إلى شعور شعبيهما القوي بالانتماء.

إن المملكتين فخورتان بالحفاظ على علاقات دبلوماسية تعد من أقدم العلاقات في تاريخ العلاقات الدولية. إذ تحل في عام 2013 الذكرى رقم 800 لإقامة هذه العلاقات، التي بدأت في مراكش عندما أعد حاكم دولة الموحدين محمد الناصر استقبالا دبلوماسيا لمبعوثي الملك جون، ملك إنجلترا. وأود هنا تقديم محاولة لشرح الظروف التي أدت إلى أول اتصال دبلوماسي بين حاكمين لم يسبق لهما قط الالتقاء، ورغم ذلك فإن كلا منهما كان يعلم بوجود وأهمية الآخر.

وسأحاول أيضا تحليل التداعيات السياسية والتاريخية التي نتجت عن هذا الاتصال، وتسليط الأضواء على الآثار غير المباشرة الناتجة عنه، وعلى وجه التحديد الـ«ماغنا كارتا»، التي تعرف أيضا بالميثاق العظيم للحريات في إنجلترا، وهي وثيقة فتحت الباب أمام عملية طويلة لترسيخ الديمقراطية وسيادة القانون في بريطانيا العظمى.

أثناء العصور الوسطى، كانت الجزر البريطانية معروفة لدى المغاربة من خلال الوصف الذي قدمه عالم الجغرافيا المغربي عبد الله محمد الإدريسي (الذي ولد في سبتة عام 1100). ورسم في عام 1154 واحدة من أشمل خرائط الكرة الأرضية المعروفة في ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت، وصف الإدريسي الجزر البريطانية كالتالي: «أرض غامضة تقع في شمال أوروبا تسمى (إنجلترا)، وهي جزيرة كبيرة تشبه رأس النعامة. ولأهلها جلادة وعزم وحزم، وفصل الشتاء بها دائم».

وذكر الإدريسي أن «شهرة إنجلترا بأرض الضباب والأمطار قديمة وليست وليدة اليوم!».

في عام 1213، أرسل ملك إنجلترا، جون لاكلاند، بعثة إلى ديوان الحاكم الموحدي (الدولة الموحدية المغربية) محمد الناصر، (1199 - 1213)، في مراكش. ترأس البعثة الفارس توماس هاردينغتون والفارس رالف فيتز - نيكولاس، وبصحبتهما رجل الدين الكاثوليكي القس روبرت.

ويعد هذا الاستقبال، الذي خص به الحاكم المسلم لأقوى إمبراطورية في غرب البحر المتوسط، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية لإنجلترا مع الدول الأخرى، خاصة مع الدول الإسلامية. وتوضيحا لهذه العبارة، أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين إنجلترا وفرنسا في عام 1315؛ أي بعد مرور أكثر من مائة عام على الاتصال الدبلوماسي الذي جرى بين المغرب وإنجلترا عام 1213.

حكم الملك جون، الذي ينتمي إلى العائلة الأنجوية - بلانتاجينية، ما بين عام 1199 وعام 1216، مساحة شاسعة من الأراضي، تضمنت إنجلترا بالإضافة إلى أجزاء من فرنسا وآيرلندا. كانت رعيته تصفه بالطاغية والخليفة غير المستحق لشقيقه الأكثر احتراما ونبلا الملك ريتشارد (قلب الأسد) الذي اشتهر بقيادته الحملة الصليبية الثالثة التي اتجهت إلى القدس.

حتى الوقت الحاضر، يقرأ معلمو المدارس البريطانية على طلابهم القصيدة التالية التي تصف الملك جون بأنه الأكثر افتقادا للشعبية:

«لم يكن الملك جون ملكا صالحا كانت وسائله تافهة ولم يكن أحد يحدثه في بعض الأوقات لمدة أيام وأيام وأيام».

ووفقا لما قاله المؤرخ نورمان دافيز، كان الملك جون «عبقريا في فن اكتساب أعداء لنفسه». بالفعل، كانت شرعيته محل هجوم من طرف العائلات الأرستقراطية الإنجليزية، وكذلك عامة شعبه الذين كرهوه جميعا بسبب طغيانه وانعدام الرحمة والشفقة من قلبه، كما عكست ذلك أسطورة روبن هود. وتعرضت شرعيته الدينية للشك أيضا من لدن البابا إينوسنت الثالث الذي عزله كنسيا في عام 1209. وعاش الملك جون تحت تهديد مزدوج بغزو مملكته على يد جيوش فيليب أغسطس (أول حاكم يحمل لقب «ملك فرنسا»)، وتمرد داخلي يقوده النبلاء الإنجليز الذين ادعوا تبني ميثاق الـ«ماغنا كارتا» من أجل إقامة أول برلمان منتخب في إنجلترا.

كان الهدف الرئيس من إرسال أول بعثة دبلوماسية إنجليزية إلى المغرب هو الحصول، باسم الملك جون، على اعتراف دولي بشرعيته كملك من خلال الدعم السياسي والعسكري من إمبراطورية دولة الموحدين. وهدف جون من خلال ذلك الحفاظ على عرش إنجلترا من دون أن يكون ملتزما التوقيع على الـ«ماغنا كارتا» وتنفيذه. ورغب الملك جون أيضا في أن يضع نفسه تحت حماية القوات المسلحة المغربية أملا في نشرها في ربوع الجزر البريطانية للدفاع عنه ضد النبلاء وضد أي غزو محتمل من ملك فرنسا الذي يباركه البابا.

وفي مقابل الحماية المغربية، عرض الملك جون على محمد الناصر الموحدي الاتفاق التالي:

إن الملك جون سوف «يسلم إليه (محمد الناصر) نفسه ومملكته طواعية، وإذا شاء فسوف تصبح تابعة له؛ وسوف يتخلى أيضا عن الدين المسيحي الذي عده زائفا، ويعتنق دين النبي محمد (الإسلام)». أي إن الملك جون عرض على الحاكم الموحدي أن يكون ملكا مسلما على إنجلترا «مسلمة» خاضعة لنفوذ دولة الموحدين.

نقل أخبار هذا العرض رجل الدين في لندن القس روبرت (المذكور آنفا) إلى معاصره الراهب البنديكتي ماثيو باريس (1200 - 1259) في دير سانت ألبانز بإنجلترا. ثم كتبه الراهب باريس باللغة اللاتينية، وأضافه إلى سجلاته عن تاريخ العالم التي تحمل اسم «كرونيكا ماجورا».

تجدر الإشارة إلى أن عرض الملك جون تناوله الكثير من المؤلفين مثل بي جي روجرز «تاريخ العلاقات الأنجلو - مغربية حتى عام 1900»، الصادر عن وزارة الخارجية ومكتب الكومنولث، في لندن أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي، من صفحة 1 إلى 5، وريتشارد تومسون «مقال تاريخي عن الـ(ماغنا كارتا)»، الصادر في لندن عام 1829. صفحات 10 و483 و484، ومقال غراهام ستيوارت «الملك الذي أراد الشريعة في إنجلترا» المنشور في جريدة «التايمز» اللندنية بتاريخ 16 فبراير (شباط) 200. ومقال جون ديربيشاير «الولايات المتحدة الإسلامية»، المنشور في «ناشيونال ريفيو أونلاين» بتاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. وفي الموقع الإلكتروني للسيد روبرت سويل (www.robertsewel.ca).

ومرة أخرى، وفقا لما ذكره الراهب باريس، وما رواه جون ديربيشاير المذكور آنفا، كان الحكم على عرض الملك جون، الذي نطق به محمد الناصر شخصيا، وأبلغه إلى المبعوثين الإنجليز كالتالي: «لم أقرأ أو أسمع قط أن ملكا يمتلك مثل هذه البلاد المزدهرة، الخاضعة والمطيعة له، يقوم عن طواعية بجعل بلده الحر يدفع الجزية لغريب. قرأت وسمعت عن كثيرين يفضلون السعي إلى الحرية ولو على حساب الدماء، وهو عمل جدير بالثناء؛ ولكني الآن أسمع من ملككم البائس الكسول الجبان.. يرجو من رجل حر أن يصبح عبدا فيصبح أكثر البشر بؤسا».

واختتم الناصر، وفقا لديربيشاير، رده بالتساؤل عن سبب سماح الإنجليز لمثل هذا الرجل بأن يحكمهم. وخلص إلى القول: «إن الملك جون غير جدير بالتحالف مع حاكم مسلم مثله». وهكذا، صرف المبعوثين محذرا إياهم من رؤيتهم مرة أخرى بسبب العمل المشين الذي أقدم عليه سيدهم.

وبينما لاقى عرض الملك جون وطلبه المساعدة المغربية رفضا من محمد الناصر، لم ير الحاكم الموحدي في الجزر البريطانية أي قيمة جغرافية استراتيجية إيجابية نظرا للوضع السياسي والعسكري الاستثنائي الصعب الذي كانت تواجهه آنذاك الدولة الموحدية، ذلك أن الموحدين كانوا قد خسروا معركة العقاب (لاس نافاس دي تولوسا) في إسبانيا قبل أشهر قليلة من هذه الواقعة، وذلك في 16 يوليو (تموز) 1212 (الصورتان 8 و9).

كانت هذه الهزيمة الثقيلة نتيجة لحملة صليبية أعلنها البابا إينوسنت الثالث، وقادها تحالف من الملوك الكاثوليك في قشتالة ونافارة وأراغون والبرتغال، بالإضافة إلى تعزيزات عسكرية جاءتهم من مناطق أخرى من أوروبا، أبرزها فرنسا.

وشكلت نتيجة هذه المعركة عاملا فاصلا في تاريخ إسبانيا خلال العصور الوسطى. وكانت الأجراس تقرع إيذانا ببداية نهاية الهيمنة الإسلامية على الأندلس والانسحاب إلى غير رجعة لإمبراطورية الموحدين من شبه الجزيرة الأيبيرية وبقية شمال أفريقيا. ونتيجة لذلك، لم يكن خوض معركة عسكرية مغربية جديدة على الأراضي الإنجليزية خيارا مطروحا أمام الناصر، الذي توفي عام 1213، وربما تكون الهزيمة العسكرية التي لحقت به في معركة العقاب سببا غير مباشر لذلك.

لقد كان للموقف المغربي غير الداعم للملك جون نتائج مهمة غير مباشرة بالنسبة لمستقبل إنجلترا السياسي. إذ وجد الملك جون من دون أي دعم، سواء من داخل مملكته أو من الخارج. لذلك، لم يكن لديه خيار، في العام ذاته (1213)، سوى أن يصلح أخطاءه، ويرضخ لرغبة البابا الذي أعاد ضمه إلى الكنيسة الكاثوليكية في مقابل حصول هذه الأخيرة على تعويض مادي كبير.

وأجبر الملك الإنجليزي، في آخر المطاف، على التوقيع على ميثاق الـ«ماغنا كارتا» في 15 يونيو (حزيران) 1215، بيد أنه تنمر لتوقيعه بعد مرور عشرة أسابيع فقط؛ لسبب أساسي هو أن أحد بنود الميثاق يهدد الملك بمصادرة جميع أراضيه وممتلكاته إذا ما تجاوز سلطاته المنصوص عليها في الميثاق. وناشد الملك جون البابا من أجل مساعدته، مما أدى إلى صدور البيان الباباوي، الذي نشر في نهاية صيف 1215، الذي عد توقيع الـ«ماغنا كارتا» باطلا وغير معترف به. وفي شتاء العام ذاته، اندلعت الحرب الأهلية في جميع أنحاء إنجلترا. وظل الملك جون هدفا لهجوم العائلات الأرستقراطية حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1216 عندما توفي إثر إصابته بمرض الدوسنتاريا (الجهاز الهضمي).

وأخيرا، حافظت وفاة الملك جون على مستقبل الـ«ماغنا كارتا»، الذي مر بعملية طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسسية. وهكذا، جرت مراجعة هذا الميثاق في أعوام 1216 و1217 و1225، قبل أن يخرج الميثاق في صورة نهائية عام 1297. وتشكل أول برلمان منتخب في إنجلترا في عام 1265 بقصر ويستمنستر في لندن. وفي عام 1341، أقر البرلمان إجبارية أداء القسم من لدن جميع الموظفين والمديرين العموميين، لجهة طاعة نص وروح الـ«ماغنا كارتا».

وخرج شعب مملكة إنجلترا من هذه المجموعة الأولى من الإصلاحات بشعور عميق بالانتماء والطبيعة المتفردة والانفصال العقلي عن القارة الأوروبية، وخاصة مع الأراضي التي تقع في دولة فرنسا اليوم، والتي كانت متصلة تاريخيا بدولة بلانتاجينت. ولكن هذا الشعور الجديد بالهوية لم يمنع إنجلترا، المعاد تشكيلها، من القيام بمحاولة فاشلة لانتزاع هذه الأراضي من مملكة فرنسا التي عدتها من ممتلكاتها أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر (حرب المائة عام التي دامت ما بين 1337 و1453).

وخلال هذين القرنين، تمسكت دولة المرينيين المغربية بالأندلس من دون فائدة لتسقط فريسة لما يعرف الآن بحروب الاسترداد. إذ خسر المرينيون الأندلس نهائيا في 30 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1340، عندما هزموا في معركة ريو سالادو (بالقرب من طريفة) ضد قوات مشتركة بقيادة ألفونسو الحادي عشر ملك إسبانيا، وألفونسو الرابع ملك البرتغال.

وكما كان موقف إنجلترا تجاه أراضيها التي خسرتها أمام فرنسا، وتأثير ذلك على هويتها القومية، ساهم فقدان الأندلس في تشكيل شخصية جديدة للأمة المغربية، بدأت منذ ذلك الحين في النظر إلى عميق دواخلها، والعودة إلى القيم الجوهرية لأعماق الدولة. ونتيجة لذلك، اكتسبت البلاد شعورا بوجود شعب متماسك يملك حسا وهوية مغربية قحة، شعب متفرد في طبيعته ومنفصل عن شبه الجزيرة الأيبيرية، وأيضا عن أوروبا. وشكل هذا الانفصال نقطة مهمة في إعادة النظر في شأن المرجعية التاريخية للشعب المغربي، ورفضه في هذا النطاق وحدة روما روحيا ومعنويا. وانطلاقا من هذا الانفصال الذهني والثقافي، أصبح «الآخر» هو «الروم» في الوجدان المغربي. كما أن دولة المغرب عزلت ذاتها اقتصاديا عن أوروبا، مفضلة الاعتماد على الذات وخضوع تجارتها الخارجية لرقابة حكومتها المركزية.

ومن خلال هذه التحولات، ظهر نظام فكر مغربي محدد، نتجت عنه موجة ثقافية عبرت عن ذاتها باللغة العربية المنتصرة النامية من جامعة القرويين في مدينة فاس، بالإضافة إلى شبكة من المدارس المرينية المنشأة آنذاك. كما انتشرت روح الصوفية بين طوائف أصحاب الحرف التقليدية في المدن، بالإضافة إلى المزارعين وسكان البادية. وبدأت الزوايا الحث على الجهاد في البر والبحر. وتبلورت دواليب نظام المخزن، أسلوب الحكم المغربي، مع صعود الحاكم السعدي أحمد المنصور الذهبي الذي رعى تنظيم دولة شريفة ملكية مركزية.

حافظ نظام المخزن على ذاته بمراقبة التجارة الخارجية، مستعينا بالمواهب التجارية والمهارات اللغوية الأجنبية التي تميز بها الوافدون من الأندلس، من أصول مسلمة ويهودية، على حد سواء، ومنح حكومته وشعبه شعورا قويا بالانتماء إلى الدولة.

وتعززت سياسة المنصور الذهبي الخارجية بسلطاته المالية والعسكرية التي اكتسبها حديثا وبمعرفته الكبيرة بالجغرافيا السياسية. وأعرب عن ذلك من خلال جهاز دبلوماسي نشيط ذي طابع حديث يشبه نظراءه الأجانب المعاصرين.

وجد نموذج المخزن جذوره الأساسية داخل المغرب، وكان يستلهم من النموذج المؤسسي العثماني ما يتعلق بمسائل الدفاع والعسكرية. وترجع أصول المخزن أيضا إلى التراث الإسلامي، حيث حاول الالتزام بالمبدأ التالي «لا يوجد عدل من دون أمن، ولا يوجد أمن من دون مال، ولا يوجد مال من دون عدل».

سمحت هذه التحولات الكبيرة للمغرب بالحفاظ على وحدته وهويته واستقلاله، بجمع نقاط القوة السياسية والعسكرية والدينية حول قيادة وتوجيه الحكام «الأشراف» الجدد، الذين تغلبوا على القبلية وتمتعوا بالشرعية الدينية، بالإضافة إلى التفوق السياسي على نظام الإقطاعيات القبلية والإقليمية. كما سمح ذلك للمغرب باكتساب مرونة كبيرة في احتواء تهديدات الغزو والاحتلال من قبل القوى الإمبريالية الأوروبية والعثمانية، وذلك لفترة طويلة للغاية امتدت من عام 1415 إلى 1956.

وهكذا، استطاعت الأمة المغربية التغلب على حروب كبرى وأزمات وصعوبات مما حدد مصيرها؛ الانتصار في معركة الملوك الثلاثة عام 1578؛ غزو السودان ودولة صنغاي الأفريقية في عام 1591؛ احتلال موانئها ومدنها الساحلية من قبل البرتغال وإسبانيا، ولفترات متقطعة من قبل إنجلترا؛ مخاطر وجود الإمبراطورية العثمانية على سواحلها الشرقية؛ الأزمات السياسية الناتجة عن احتلال فرنسا للجزائر عام 1830؛ تمزيق أوصال البلاد والانقسام الاجتماعي والقبلي الذي نتج عن المحميات الفرنسية والإسبانية من عام 1912 إلى عام 1956.

في إنجلترا، اتخذت عملية الإصلاحات الديمقراطية منحنى أكثر حسما في القرن السابع عشر مع إدوارد كوك (1552 - 1634، 13) الذي تولى منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاة في عهد دولة ستيوارت. آنذاك، أعاد كوك تفسير الـ«ماغنا كارتا» ليصبح إعلانا يضمن الحقوق الفردية ويكون أصل مبدأ الحكم الذي يتخذه القاضي.

اعتمد كوك في إعادة التفسير على المادتين 39 و40 من نص عام 1225 للـ«ماغنا كارتا». وكان نص هاتين المادتين كالتالي:

المادة 39 «لا يجوز القبض على رجل حر، أو سجنه، أو انتزاع ملكه، أو خروجه من حماية القانون، أو نفيه، أو تعرضه لأي نوع من الإيذاء.. إلا بناء على محاكمة قانونية أمام أقرانه وبمقتضى قانون البلاد».

المادة 40: «لن نبيع العدالة أو حقا من حقوق الإنسان ولن نحرم منها إنسانا ما».

جعلت هاتان المادتان الـ«ماغنا كارتا» أحد أهم النصوص والتشريعات الأساسية في التاريخ الإنساني، وعد الميثاق من أكثر الوثائق تأثيرا. ويحتل الميثاق المكانة ذاتها التي تمثلها ثلاثة نصوص أخرى ذات وضع مشابه؛ وهي تحديدا أسطوانة الإمبراطور الفارسي قورش البابلية (539 ق.م) والتعاليم المنقوشة على أعمدة الإمبراطور أشوكا من السلالة الماورية الهندية في القرن الثالث قبل الميلاد وأخيرا وليس آخرا، «حلف الفضول» الذي جرى في حضور النبي محمد عليه الصلاة والسلام والخليفة أبي بكر الصديق، إذ جرى هذا الحلف بين عشائر من قبيلة قريش في نحو عام 590 الميلادي، ويعد من أول التحالفات في العالم التي تعنى بحماية حقوق الإنسان.

وتعد الـ«ماغنا كارتا» اليوم جزءا لا يتجزأ من الوثائق القانونية المؤسسة للقانون الدستوري الإنجليزي، التي ساهمت بإلهامها طوال فترة امتدت من عام 1628 إلى عام 1949 في التماسات قانونية ومشروعات القوانين والقوانين مثل:

* التماس الحقوق لعام 1628، الذي أكد مبدأ امتلاك البرلمان السلطة الوحيدة والحصرية للتصويت على قوانين فرض الضرائب وإلغاء الأحكام العرفية في فترة السلام، وحق المعتقلين في السؤال عن شرعية اعتقالهم بما يتفق مع قرار المثول أمام القضاء.

* وثيقة الحريات لعام 1689 التي تعرف مبادئ النظام الملكي البرلماني في إنجلترا، وتضع قائمة من الحقوق التي تحترم الشعب بالطريقة التي يجري بها تمثيله في البرلمان. وشكل هذا الإعلان تقدما كبيرا فيما يتعلق بحرية التعبير.

* مرسوم التولية لعام 1701، الذي يضمن تولي المذهب البروتستانتي عرش إنجلترا، ويؤكد الفصل بين السلطات.

* القوانين البرلمانية المكونة من قانونين جرى التصويت عليهما في عامي 1911 و1949 اللذين وضعا قيودا على سلطة مجلس اللوردات في منع إقرار القوانين.

وتبعا لذلك، انعكست روح الـ«ماغنا كارتا» والوثائق والقوانين والتشريعات البرلمانية الأساسية لفترة طويلة، وبقوة، على الحياة السياسية في المملكة المتحدة، حتى إنها أصبحت أحد أهم أعمدة الهوية الوطنية التي أضفت شعورا عميقا بالعدالة وحقوق الإنسان في الجزر البريطانية. وضع ميثاق الـ«ماغنا كارتا» والوثائق القانونية المرتبطة به أيضا تعريفا للعلاقة بين الشعب والسلطة، بين الحاكم والمحكوم. ونصت على أنه لا أحد فوق القانون، وأن أي شخص بغض النظر عن مركزه يظل خاضعا للمساءلة ويجب أن يتحمل المسؤولية. في سياق ذلك، أعرب الفيلسوف والمفكر الفرنسي فولتير، (1694 - 1778)، عن إعجابه بحرية التعبير التي كانت متوافرة في إنجلترا في عصره، ذلك أنها كانت مكفولة منذ عام 1695. ووصف في كتاباته ملك إنجلترا بأنه «الحكم الأعلى بين السلطات» في البلاد.

إضافة إلى ذلك، أصبحت روح الـ«ماغنا كارتا» أيضا ذات تأثير كبير على القوانين الدستورية التي حكمت معظم الدول الأنغلو - سكسونية إلى جانب الدول الجديدة التي خرجت من معطف الإمبراطورية البريطانية. وترجع أصول الدستور الأميركي إليها أيضا، كما هو الحال مع القوانين الأساسية في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا وكندا (فيما عدا إقليم الكيبك)، واتحاد جنوب أفريقيا. وفي عام 1948، كان ميثاق الـ«ماغنا كارتا» مصدر إلهام لواضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

ووفقا لصحيفة «فايننشيال تايمز» في عددها الصادر في 12 يوليو 2013، ستحتفل المملكة المتحدة في فبراير (شباط) عام 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا»، في المكتبة البريطانية بلندن. وسوف يجري جمع النسخ الأربع التي ما زالت موجودة، وعرضها لأول مرة في التاريخ على مدار ثلاثة أيام فقط.

وفي لفتة رمزية، سوف يجري اختيار 1215 شخصا عن طريق القرعة ليحظوا بشرف الحضور ومشاهدتها. وبعد كل ذلك، سوف تعاد كل نسخة من النسخ الأربع إلى مكان عرضها الأصلي والدائم، وهي تحديدا كاتدرائيتا مدينتي لينكولن وسالسبري، والمكتبة البريطانية التي تملك اثنتين من النسخ الأربع الأصلية.

بالتزامن مع الذكرى الخمسين على إلقاء مارتن لوثر كنغ خطابه الشهير «يراودني حلم» في واشنطن العاصمة في ذروة كفاحه من أجل الحصول على الحقوق المدنية للأميركيين من أصل أفريقي، أصدر مغني الراب الشهير «دجي زي» أسطوانة جديدة في اليوم الرابع من يوليو عام 2013، الموافق لذكرى إعلان استقلال الولايات المتحدة، تحت عنوان «ماغنا كارتا.. السيف المقدس» ( 16). أراد المغني بهذه الطريقة أن يعرب عن التقدير لهذا الميثاق القديم، الذي فتح الأبواب أمام الحريات الفردية واحترام الكرامة الإنسانية. وأعرب فيه عن أمله أن تستمر روح الميثاق في تحقيق تغيير إيجابي، وتصل إلى حياة السكان الفقراء والمهمشين من الشباب في أحياء أميركا المحرومة التي تنحدر أصول هذا المغني منها، وأصبح رمزا فيها.

وفي لفتة غير مسبوقة وذات رمزية لتأييد رسالة الأمل التي يحملها هذا المغني، يخطط الرؤساء الروحيون لكاتدرائية سالسبري في إنجلترا عرض غلاف أسطوانة «دجي زي» إلى جوار النسخة الأصلية من الـ«ماغنا كارتا»، في أثناء الاحتفالات المقبلة في عام 2015 بمناسبة الذكرى رقم 800. وبهذه المناسبة، يمكن أن تستغل المؤسسة الشقيقة للمكتبة البريطانية في الرباط، المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، هذه المناسبة لتستضيف في الرباط حدثا إضافيا بعرض نسخة من الـ«ماغنا كارتا» التي ترجع بعض الأسباب غير المباشرة في وجودها إلى التداعيات السياسية والتاريخية لاتصال مراكش الدبلوماسي الأول في عام 1213 بين المغرب وإنجلترا. ونأمل أن تنظم إلى هذا الحدث سلسلة من المؤتمرات والنشرات التوضيحية التي تخاطب الأطفال وطلاب المدارس الثانوية والجامعات، وتستهدف أيضا عامة الشعب، وبذلك يصبح الجمهور على دراية أكبر بدور المغرب البارز في هذه المرحلة من تاريخ العالم، وهو الدور الذي يجري تجاهله كثيرا في الوقت الحالي.

ربما تكون الرسالة الرئيسة الأخرى التي تحملها هذه الفعاليات الإضافية للشعب المغربي عامة، هي أن الطريق إلى الديمقراطية غالبا ما يكون طويلا وشاقا، كما تمثله التجربة الإنجليزية التي تحدثنا عنها، ولكنه ما زال الطريق الوحيد الذي يجب السير فيه.

* سفير المغرب لدى المملكة المتحدة (1999 - 2009)

* جريدة الشرق الاوسط

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« أبريل 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
التغذية الإخبارية