النباتات المفكرة

حول العالم

النباتات المفكرة

فهد عامر الأحمدي

    لست من عشاق الزهور ورعاية النباتات وتنسيق الحدائق؛ ومع هذا أكن احتراما شديداً لمن يلاطفون نباتاتهم ويتحدثون مع أزهارهم ويقضون وقتهم بين نباتات الظل. فهم في نظري أشخاص بلغت بهم اللطافة - ورهافة الاحساس - حد الحديث مع الورود ومجاملة الزهور ومساعدة نباتات الظل على النمو في الاتجاه الصحيح (فشوف الزهور.. وتعلم)!!.

ولعلك لاحظت استعمالي كلمة "حديث" و"يتحدثون" لتفسير طبيعة العلاقة بين الطرفين.. فالحديث مع النباتات يعد - بالنسبة لأصحابها على الأقل - تصرفا طبيعيا وعنصرا أساسيا لا يمكن تجاهله او إنكار فعله. ورغم أنه يحدث منذ الأزل إلا أنه اتخذ صفته العلمية بفضل محقق شرطة يدعى كليف باكستر أثبت - بطريقة غير متوقعة - قدرة النباتات على الاحساس بالمشاعر البشرية.. وكان اكستر قد برع في استخدام أجهزة كشف الكذب ونظم دورات في كيفية استخدامها في شرطة نيويورك والمخابرات الامريكية ودائرة الجوازات والهجرة.. وفي فبراير عام 1966فكر بقياس المقاومة الكهربائية في أوراق نباتات الظل (بواسطة هذا الجهاز) ففوجئ بظهور ذبذبات ناعمة ورتيبة حين بدأ بسكب الماء في الحوض (وهي مشاعر تدل على السعادة والرضا لدى البشر).. وحين أخرج قداحة السجائر لحرق إحدى الأوراق رسم الجهاز إشارات صاخبة تدل على الخوف والرعب والاضطراب. ومع تكرار التجارب اكتشف ارتياح النباتات للموسيقى الهادئة والحديث الرقيق وألف كتابا ناجحا بهذا الشأن نصح فيه عشاق النباتات بمحادثتها صباح مساء (الأمر الذي شكل طفرة حقيقية في مستوى الحديث وعدد المتحدثين)!.

.. وبطبيعة الحال؛ لا يمكن الادعاء أن الفكرة بحد ذاتها جديدة او حديثة - كونها متداولة في المجتمعات الزراعية منذ قرون.. وأذكر أنني تحدثت عن اعتقاد قديم يسود بين مزارعي النخيل في منطقة المدينة المنورة بخصوص مرور النخيل بحالات عاطفية مستعصية.. فهناك مثلاً النخلة العنيدة، والنخلة العاشقة، والنخلة الخجولة، والنخلة التي "لا يمكن التنبؤ متى ستثمر".. فالنخلة العنيدة مثلا هي التي ترفض الإثمار وعلاجها الوحيد التهديد والكي بالنار، والنخلة العاشقة هي التي تميل بجذعها الى نخلة تجاورها وتظهر في أطرافها رعشات دقيقة - وعلاجها ربطها بحبل يوصلها بالنخلة المجاورة!!.

أضف لهذا أن جميع الشعوب تقريباً كانت تمارس طقوساً وعادات خاصة لإعطاء أفضل محصول ممكن.. ففي جنوب البرتغال مثلا تمنع الفتيات من تسلق الاشجار كي لا تتأثر بعذريتهن فيقل انتاجها. وفي منطقة باجدنا بإفريقيا الوسطى تمنع المرأة العاقر من دخول الحقل كي لا يتضرر المحصول. وفي جزيرة جاوه يتسلل المزارعون مع زوجاتهم الى حقول الأرز في الليلة السابقة للبذار اعتقاداً منهم ان العلاقة الزوجية تؤثر في النباتات بشكل جيد!!.

واليوم لا يؤمن العلماء بامتلاك النباتات جهازاً عصبياً فقط؛ بل وقدرة صامتة على الفرح والألم والاحساس بالآخرين.. فرغم ان النباتات لا تملك جهازاً عصبياً متطوراً؛ إلا أن التجارب أثبتت أن الشعور لديها يتم على مستوى الخلية - في حين يمكنها التواصل مع النباتات المشابهة عبر رطوبة التربة.. ويمكن كمثال أخذ نبتة الميموزا الاستوائية التي تتميز بحساسية فائقة لدرجة أن أوراقها تنكمش وتتجعد حين تهب عليها ريح باردة او تقترب منها شعلة نار (وسرعان ما ينتقل الخبر للنباتات المجاورة فتبدي ردود فعل مشابهة)!!.

.. وأنا أول من يعترف بأن هذه الادعاءات تشكل مصدر حيرة وارتباك لغير عشاق النباتات؛ غير أن هذا مصدره خلطنا بين (قدرة) النباتات على الشعور والاحساس بالمتغيرات حولها (وعدم قدرتها) على التعبير عن هذه المشاعر سواء بالصوت او الحركة.. وفي حين يمكننا تجاهل كافة الدلائل والمعطيات السابقة يصعب علينا تجاهل قوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)!.

*جريدة الرياض
التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« أبريل 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
التغذية الإخبارية