تجارة الافكار الذهبية

حول العالم

تجارة الأفكار الذهبية

فهد عامر الاحمدي

    قبل فترة كتبتُ مقالاً بعنوان "لماذا تخلفنا وتقدمت كوريا الجنوبية". وقبل أيام فقط استلمت رسالة طويلة عريضة من مسؤول كبير (.. يحتفظ فهد عامر باسمه) ينتقد فيها فكرة المقال وادعائي - على حد تعبيره - أن تفوق الأمم ينحصر في "الاختراعات الفردية"!!

وانتقاد كهذا مثالٌ على اقتطاع جزئية من أي مقال - أو حتى حديث مجالس - ثم البناء عليه وتعميمه ضد صاحبه. فرغم أنني قلت في المقال إن ارتفاع نسبة الاختراعات في أي أمة هو (من) عناصر تفوقها، إلا انه يفترض أن يكون هذا الأمر مفهوماً لأي قارئ حتى لو لم أذكر ذلك (فمن العقبات المزمنة لأي كاتب أن صغر الزاوية تجعله يختصر أو يتجاوز كثيراً من التفاصيل الجانبية).. الأمر الآخر أن فكرة المقال كانت موجهة حينها للتفوق الصناعي والتقدم الاقتصادي ولم يكن التفوق الأدبي والفكري مجال حديثنا...!!

هذا من جهة.. ومن جهة أخرى، لأننا أمة غارقة في الأدب والفلكلور تجد فينا تقليلاً من شأن الابداع التقني والصناعي في حين يمكن لاختراع واحد أن يشكل أساساً لصناعات ووظائف عديدة. فحين اخترع "ديملر" السيارة عام 1886لم يتصور أن اختراعه سيصبح أساساً لتجارة هائلة ترفدها صناعات عديدة تعتاش منها آلاف الأسر (وقس على هذا كل الاختراعات الرائجة من البوينج والايرباص إلى الدبوس وأزرار القميص).. بل ان مجرد امتلاك الفكرة وحق استغلالها يشكل صناعة قائمة بذاتها - كثيراً ما تتفوق على السلع الحقيقية المصنعة -. فقد يتصور البعض أن أفضل صادرات اليابان هي الالكترونيات أو أن أفضل صادرات أمريكا هي الطائرات ولكن الحقيقة هي أن أفضل صادرات الدول المتقدمة هي "الأفكار" أو ما يسمى في علم الاقتصاد "رأس المال الذكي". فرب فكرة تنشئ صناعة بأكملها تضمن للفرد أو الشركة المالكة نجاحاً وازدهاراً عظيمين. فشركة "زيروكس" بعد أن كانت شركة مغمورة لانتاج الورق أصبحت عملاقاً اقتصادياً بعد أن ابتكرت آلة النسخ التي لا يستغني عنها أي مكتب أو دائرة حكومية ولنا أن نتخيل مدى الأرباح التي حققتها شركة زيروكس متى ما علمنا أن قانون براءات الاختراع يعطي مالك الفكرة حق بيع واحتكار اختراعه لمدة عشرين عاماً على مستوى العالم.. وبطريقة مشابهة نجد أن برنامج ويندوز وحده يشكل 90% من تجارة شركة ميكروسوفت في حين تشكل علامة (كوكاكولا) وحدها 85% من قيمة شركة كوكاكولا.. وفي العام الماضي فقط ربحت شركة "تكساس انسترومنتس" (400) مليون دولار من خلال السماح لمنتجين أجانب باستغلال حقوق اختراعات تملكها.. كما تربح والت ديزني وشركات الافلام الاخرى ملايين الدولارات لمجرد السماح للشركات الاستهلاكية باستغلال شخصياتها المحبوبة مثل ميكي وسلاحف النينجا والبطة دونالد.. وبوجه عام تظهر الاحصائيات أن إنفاق دولار واحد على الأبحاث والأفكار الجديدة يجلب (33) دولاراً كأرباح، وهذا يفسر لماذا أنفقت شركة "ميرك" ألف مليون دولار على الأبحاث في العام الماضي فقط لاكتشاف أدوية جديدة!!

أما على مستوى البلد ككل فتشكل تجارة الأفكار 28% من مجمل الصادرات الأمريكية و16% من مجمل الصادرات اليابانية و11% من مجمل الصادرات الألمانية. وتجارة كهذه تعتمد أساساً على تأجير الأفكار وبيع حقوق الاختراع وتصدير خبرات وخدمات وماركات مسجلة - بل وحتى حقوق استغلال علامات ماكدونالدز وبيتزا هت التي نراها في الشوارع!

إذاً من الأمثلة السابقة يتضح أن (الابداع الفردي) في المجال التقني هو خير صناعة يمكن أن تستثمر فيها الأمم وتبني على أساسها صناعات مستقلة لا تتبع الغير.. وللأسف هذا ما لم يفهمه مسؤولنا الذكي!

*جريدة الرياض

 
التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يوليو 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          
التغذية الإخبارية