الصندوق السيادي (ضرورة ملحة)

الرياض – محمد الغامدي

أبو داهش: لابد من تَبَنِّي سياسة استثمارية واضحة داخلياً وخارجياً.
حافظ: لدينا كفاءات تستطيع إدارة الاستثمارات دون خوف من التقلبات العالمية.
المملكة تضع 539 مليار ريال وتحل رابعاً في حجم ودائع الخارج.

تعتمد المملكة على صادرات النفط التي تمثل أكثر من 90% من إجمالي قيمة الصادرات، بعيداً عن التنوع الاستثماري، وتضع المملكة حوالي 539 مليار ريال في الخارج لتحتل المركز الرابع عالمياً من حيث حجم المبالغ المُودَعَة في سندات الخزانة والأذونات قصيرة الأجل، ويرى محللون اقتصاديون أنَّ الوقت بات مناسباً لوجود صندوق سيادي في المملكة لتحقيق التنوع الاقتصادي واستثمار فائض الميزانية، وعلى الرغم من وجود صندوق الاستثمارات العامة إلا أنهم دعوا إلى الاستثمار في مثل هذا الصندوق، مؤكدين ضرورة ألا تعتمد المملكة على النفط فقط بل ينبغي تنويع الاستثمار من خلال صندوق يساند هذا التنوع، ويكون مردوده جيداً على الاقتصاد السعودي، ومطالبين بألا يرتبط «الصندوق السيادي» بمؤسسة النقد أو وزارة المالية وأن يكون ذا إدارة مالية مستقلة تماماً، وأن يخضع للمجلس الاقتصادي الأعلى.

أهمية الصناديق

وحسب الدكتور محمد سرور الصبان؛ فإن أهمية الصناديق السيادية تكمن في «كونها مبادرات سريعة المردود تسهم في تحقيق التنويع المطلوب للدخل؛ فتقلل من الاعتماد المطلق على النفط، وهو السلعة التي تخضع لتقلبات السوق العالمية ويحيط بمستقبلها كثيرٌ من الشكوك. ولضمان تلك الصناديق لعائدات مالية منتظمة للأجيال المقبلة، حتى في حال تدهور عائدات الدولة الخليجية من النفط. ولعملها بمثابة صمام أمان، يدرأ بعض مخاطر المستقبل، ويقلل من تأثيرات الأزمات الاقتصادية العالمية في الاقتصادات المحلية، وخاصة في ظلِّ عدم امتلاك تلك الاقتصادات وسائل التحكم في سوق النفط، السلعة الوحيدة التي يكاد يعتمد عليها اعتماداً كاملاً في تمويل التنمية بكل عناصرها».

ضرورة مُلحَّة

alt

أبو داهش

وقال الدكتور عبدالوهاب أبو داهش «لأننا دولة تعتمد على مصدر واحد من الدخل، هو النفط، فإن وجود صندوق سيادي ضرورة ملحة جداً؛ لأننا فشلنا في التنويع الاقتصادي، وفشلنا أيضاً في تبني سياسة استثمارية داخلية وخارجية واضحة، ولذلك الصندوق السيادي مطلب ضروري ويتكامل مع وجودنا واعتمادنا على مصدر واحد وهو النفط، وبالعكس جميع الدول التي لديها مصدر واحد كالنرويج والكويت تقوم بإنشاء صناديق سيادية لأنها لا تثق في مصدر واحد للدخل، وهو تنويع استثماري سواء في الداخل أو الخارج، ومعظم الصناديق السيادية تستثمر في الخارج، وهذا دورها في تكوين اتفاقيات مستقبلية لتراجع أسعار النفط أو عدم قدرة مشاريع النفط مستقبلياً على تمويل الحكومة فإن وجودها سيكون رافداً مهماً جداً».

فوائض مالية

وشدد أبو داهش على ضرورة التفكير جدياً في وضع لوائح وأنظمة لإنشاء صندوق سيادي خصوصاً أن لدينا فوائض مالية، وهناك توقعات باستمرار ارتفاع أسعار النفط لسنوات قادمة، وبالتالي فأنا أعتقد أن الوقت مناسبٌ جداً لتكوين هذا الصندوق. أيضاً هناك حاجة كبيرة للدول في أوروبا وأمريكا في آسيا لتشجيع الاستثمارات الأجنبية مع وجود منظمة التجارة العالمية، وهذا سيساعد الصندوق السيادي في الدخول في تلك الدول بشكل مباشر ويجب أن نستغل مثل هذه الظروف في سرعة إنجاز هذا الصندوق».

صناديق مماثلة

ويرى الأمين العام للجنة الإعلام والتوعية المصرفية في البنوك السعودية، الدكتور طلعت حافظ، أنه لا يوجد ما يمنع من وجود  صندوق سيادي للمملكة على غرار صناديق مماثلة انتشرت على مستوى العالم، كالصندوق النرويجي، وصندوق الأجيال في الكويت، وفي أبوظبي صندوق سيادي ضخم جداً مقارنة بالصناديق السيادية العالمية. فلا مانع من أن تتبنى الحكومة السعودية إيجاد صندوق مماثل يستثمر فيه الفوائد والفوائض المالية التي تنتج عن بيع أسعار النفط بعيداً عن الأسعار المستهدفة التي تحتاج إليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.

تقلبات السوق

وعلى الرغم من رؤية بعض الاقتصاديين وتخوفه من وجود مثل هذه الصناديق التي قد تعصف بها أزمات الاقتصاد العالمية التي تمر بين فينة وأخرى، والتي بدأ تدرجها على العالم عام 2008م لتظهر وتختفي بين فينة وأخرى؛ إلا أن المحللين رأوا أنَّ الخوف من مثل هذا غير مبرَّر. فالدكتور الصبان يرى أن «هذا التبرير استخدمَ ما لحق ببعض الصناديق السيادية من خسائر ـ على الورق ـ نتيجةً للأزمة الاقتصادية، للتدليل على صحة التخوف، وعلى أنَّ عدم إنشاء السعودية لصندوق سياديٍّ قد جنَّبَها الوقوع في مثل تلك الخسائر».
   ورأى أن «هذا المنطق غير مقبول على الإطلاق، ولو أنَّه كان صائباً لأغلقت النرويج وبقية الدول صناديقَها السيادية إلى غير رجعة في ظل التوقعات بطول أمد الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الاتحاد الأوروبي وانعكاساتها على بقية اقتصادات العالم، وهو الأمر الذي لم ولن يحدث».

مراقبة الاستثمارات

وعن التخوف من فرض الدول الأجنبية قيوداً على مثل هذا الصندوق، قال الدكتور أبوداهش «لابد أن يكون هناك نوع من مراقبة هذه الاستثمارات أو توجيهها، أو السماح لها بالاستثمار في قطاعات مُعيَّنة، وهذا شيء طبيعي، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نستمر أو لا نقيم هذا الصندوق؛ كون معظم الصناديق السيادية تستثمر في شركات معروفة، في التقنية وفي النفط والمعادن، وما فيه تنويع اقتصادي، وهذا لا يمنع من وجود تخوف من الدول الأخرى، كالاستثمار في القطاع العسكري، وفي معلومات حسَّاسَة. ولكن في نهاية المطاف نحن لا نطالب إلا بالاستثمار في الشركات المعروفة وتُدرَج أسهمُها في الأسواق وتُدَار بعقليَّة القطاع الخاص، وبالتالي هذا مبررٌ كافٍ للاستثمار، وليس له علاقة بموضوع سيادي أو تدخل حكومي أو خلافه».

كفاءات وطنية

بينما أكَّد طلعت حافظ أنَّ هذا الصندوق كغيره من الصناديق العالمية قد يتعرَّض لهِزَّات ولكنَّ الإدارة الحصيفة والإدارة المتحفظة غير المتهوِّرة هنا في المملكة بإمكانها تجاوز ذلك. موضحاً أنَّ لدينا كفاءاتٍ إداريَّةً وطنيَّةً لديها باعٌ طويل في إدارة الاستثمارات، وبالتالي لا أخشى كثيراً في حالة التقلبات؛ لأنَّ اللجوء إلى التنويع مهمٌّ وألا نضع البيض في سلة واحدة، وأن يكون جزءٌ منها على شكل أصول سائلة ممكن أن تلجأ إليها الدولة كاحتياطيات وقت الحاجة إلى ذلك.
   وأضاف «لدينا أمثلة كبيرة على نجاح إدارتنا على مستوى العالم، ومما يؤكد قدرة المملكة ونجاعتها المالية والاقتصادية هو تجاوزها للأزمة المالية العالمية عام 2008 التي كانت أسوأ أزمة ماليَّة عالميَّة تحلُّ بالعالم وهي أكبر من سابقتها عام 1929م، وأيضاً ما يدللُ على ذلك هو نمو الاقتصاد المالي العام الماضي بأكثر من 6.8 في الناتج المحلي الإجمالي على الرغم من أنَّ الدول الصناعية والأوربية والاقتصاد العالمي ينمو بوتيرة منخفضة، بل بعض الدول الصناعية تنمو بأقل من 1%، وإذا أصاب العالم ـ لا سمح الله ـ مشكلة فإن هذا أمر خارج عن الإرادة».

ذراع استثمارية

وزاد حافظ «إنَّ وجود صناديق مُشابهة يعطي دلالة على أن الحكومة السعودية لديها أكثر من ذراع استثمارية على المستوى المحلي؛ فلديها على سبيل المثال ما يعرف بصندوق الاستثمارات العامة، وهو يُدَار من قِبَل وزارة المالية، ويُعتَبَر في حكم الصناديق السيادية، لكن في نهاية الأمر هو يستثمر في مشاريع محلية تنموية واجتماعية وهو أحد نماذج الصناديق السيادية، وإن كان لا يطلق عليه مصطلحاً هنا. أيضاً شركة سنابل التي هي شركة حكومية تستثمر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمعنى أنَّ المملكة ليست في غياب تام عن ذلك ولكن المطلوب في المرحلة القادمة أن يكون الصندوق لديه تنوُّعٌ في الاستثمارات قد يكون جزء منها محلياً وهذا لا يمنع، ولكنَّ جزءاً آخر منها يجب أن يكون دولياً، أي أن تدخل في عدد من الاستثمارات من بينها الاستثمارات في الأوراق المالية، في جانب العقار، الاستحواذ أو المشاركة في شركات عالمية مرموقة وهكذا. وأعتقد أنَّ المرحلة الحالية التي تعيشها السعودية وحجم الموفورات المالية التي تتحقق لها وبدأت تتحقق لها من عام 2000م عندما بدأت الموازنة العامة تظهر فوائض في نتائجها أعتقد أنَّه من الصواب وجود هذا الصندوق.

تنمية اجتماعية

وعن أن شركة سنابل موفوراتها لا تتجاوز المليار فكيف نعدها سيادية؟ قال حافظ : بغض النظر عن ذلك المهم هو الاستثمار والدفع بمشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية قُدُماً إلى الأمام، وهذا أحد الأذرع المهمة والجديدة. ولكن لدينا خبرة كافية من صندوق الاستثمارات العامة في مساهماته الواضحة في التنمية المحلية، وكان هدف المملكة من عدم إيجاد صندوق سيادي على المستوى الدولي بالمعنى المتعارف عليه هو تركيز استثماراتها وأموالها وعوائدها على الداخل وتنمية البلد، ولكن نحن وصلنا إلى مرحلة، ولله الحمد، في المستوى التنموي والإجتماعي إلى ما يمكننا من أن نوازن بين الداخل والخارج ليكون هناك تنوُّع في استثمارات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، وليكون هناك تنوعٌ في المحفظة الاستثمارية في هذا الصندوق بين أصول ثابتة وأصول متداولة أو قصيرة المدى.

احتياطات أجنبية

ولكن للدكتور عبدالوهاب أبو داهش رؤية مغايرة لرؤية حافظ؛ إذ قال «لابد من التفريق بين الاحتياطات الأجنبية التي تدار من قِبَل مؤسسة النقد وبين الصندوق السيادي، فالاحتياطات الأجنبية تستخدم لغرضين محددين هما: سد العجز في الموازنات إذا كان هناك عجز، وثانياً: الدفاع عن فئة الريال في حال الاحتياج إلى ذلك. ولذلك فالاحتياطات الأجنبية أو الصندوق السيادي ليس بديلاً للاحتياطات الأجنبية بل هو ضرورة استثمارية مُلحَّة و ليس لها علاقة بغيرها. ولذلك يجب أن يكون الصندوق السيادي مستقلاً له لوائح وأنظمة مستقلة جداً وبشروط صارمة ليس لوزارة المالية أو مؤسسة النقد علاقة في إدارة هذا الصندوق. ولذلك فإن الصندوق السيادي في الدول هو أن تضع من موازناتها 10% سواء كان هناك فائض أو عجز في الميزانية فإن هذه النسبة تذهب للصندوق السيادي لاستثمارت الأجيال القادمة. والهدف من الصندوق السيادي يختلف كلياً عن الاحتياطات الأجنبية. والذين يتحدثون عن سياسات الاستثمارات السعودية الخارجية ويركزون عليها فإنهم مخطئون؛ لأن الاحتياطات الأجنبية لا تخصص إلا للغرضين السابقين.. وليس كوعاء استثماري؛ فالوعاء الاستثماري يجب أن يكون في صيغة صندوق سيادي مستقل .

*جريدة الشرق 

روابط مشابهة:

1- http://www.princetalal.net/new/post.php?id=1270&partid=1

2- http://www.alriyadh.com/2012/12/10/article791541.html







التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« أبريل 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
التغذية الإخبارية