اول اتصال دبلوماسي بين المغرب وبريطانيا عام 1213 م

لندن تحتفل في فبراير 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا» في المكتبة البريطانية

 
alt
الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
alt
الملك محمد السادس والأمير تشارلز
 محمد بن الماحي 
  تظل المملكة المغربية الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتعت - وما زالت - بعلاقات واسعة ومتنوعة مع المملكة المتحدة على نحو يفوق الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية. تتميز هذه العلاقات بتشكيل تحالفات استراتيجية، بالإضافة إلى التبادل التجاري والثقافي الذي أسهم، بطريق مباشر أو غير مباشر، في تشكيل الهوية الخاصة بكل من المملكتين، بالإضافة إلى شعور شعبيهما القوي بالانتماء.

إن المملكتين فخورتان بالحفاظ على علاقات دبلوماسية تعد من أقدم العلاقات في تاريخ العلاقات الدولية. إذ تحل في عام 2013 الذكرى رقم 800 لإقامة هذه العلاقات، التي بدأت في مراكش عندما أعد حاكم دولة الموحدين محمد الناصر استقبالا دبلوماسيا لمبعوثي الملك جون، ملك إنجلترا. وأود هنا تقديم محاولة لشرح الظروف التي أدت إلى أول اتصال دبلوماسي بين حاكمين لم يسبق لهما قط الالتقاء، ورغم ذلك فإن كلا منهما كان يعلم بوجود وأهمية الآخر.

وسأحاول أيضا تحليل التداعيات السياسية والتاريخية التي نتجت عن هذا الاتصال، وتسليط الأضواء على الآثار غير المباشرة الناتجة عنه، وعلى وجه التحديد الـ«ماغنا كارتا»، التي تعرف أيضا بالميثاق العظيم للحريات في إنجلترا، وهي وثيقة فتحت الباب أمام عملية طويلة لترسيخ الديمقراطية وسيادة القانون في بريطانيا العظمى.

أثناء العصور الوسطى، كانت الجزر البريطانية معروفة لدى المغاربة من خلال الوصف الذي قدمه عالم الجغرافيا المغربي عبد الله محمد الإدريسي (الذي ولد في سبتة عام 1100). ورسم في عام 1154 واحدة من أشمل خرائط الكرة الأرضية المعروفة في ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت، وصف الإدريسي الجزر البريطانية كالتالي: «أرض غامضة تقع في شمال أوروبا تسمى (إنجلترا)، وهي جزيرة كبيرة تشبه رأس النعامة. ولأهلها جلادة وعزم وحزم، وفصل الشتاء بها دائم».

وذكر الإدريسي أن «شهرة إنجلترا بأرض الضباب والأمطار قديمة وليست وليدة اليوم!».

في عام 1213، أرسل ملك إنجلترا، جون لاكلاند، بعثة إلى ديوان الحاكم الموحدي (الدولة الموحدية المغربية) محمد الناصر، (1199 - 1213)، في مراكش. ترأس البعثة الفارس توماس هاردينغتون والفارس رالف فيتز - نيكولاس، وبصحبتهما رجل الدين الكاثوليكي القس روبرت.

ويعد هذا الاستقبال، الذي خص به الحاكم المسلم لأقوى إمبراطورية في غرب البحر المتوسط، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية لإنجلترا مع الدول الأخرى، خاصة مع الدول الإسلامية. وتوضيحا لهذه العبارة، أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين إنجلترا وفرنسا في عام 1315؛ أي بعد مرور أكثر من مائة عام على الاتصال الدبلوماسي الذي جرى بين المغرب وإنجلترا عام 1213.

حكم الملك جون، الذي ينتمي إلى العائلة الأنجوية - بلانتاجينية، ما بين عام 1199 وعام 1216، مساحة شاسعة من الأراضي، تضمنت إنجلترا بالإضافة إلى أجزاء من فرنسا وآيرلندا. كانت رعيته تصفه بالطاغية والخليفة غير المستحق لشقيقه الأكثر احتراما ونبلا الملك ريتشارد (قلب الأسد) الذي اشتهر بقيادته الحملة الصليبية الثالثة التي اتجهت إلى القدس.

حتى الوقت الحاضر، يقرأ معلمو المدارس البريطانية على طلابهم القصيدة التالية التي تصف الملك جون بأنه الأكثر افتقادا للشعبية:

«لم يكن الملك جون ملكا صالحا كانت وسائله تافهة ولم يكن أحد يحدثه في بعض الأوقات لمدة أيام وأيام وأيام».

ووفقا لما قاله المؤرخ نورمان دافيز، كان الملك جون «عبقريا في فن اكتساب أعداء لنفسه». بالفعل، كانت شرعيته محل هجوم من طرف العائلات الأرستقراطية الإنجليزية، وكذلك عامة شعبه الذين كرهوه جميعا بسبب طغيانه وانعدام الرحمة والشفقة من قلبه، كما عكست ذلك أسطورة روبن هود. وتعرضت شرعيته الدينية للشك أيضا من لدن البابا إينوسنت الثالث الذي عزله كنسيا في عام 1209. وعاش الملك جون تحت تهديد مزدوج بغزو مملكته على يد جيوش فيليب أغسطس (أول حاكم يحمل لقب «ملك فرنسا»)، وتمرد داخلي يقوده النبلاء الإنجليز الذين ادعوا تبني ميثاق الـ«ماغنا كارتا» من أجل إقامة أول برلمان منتخب في إنجلترا.

كان الهدف الرئيس من إرسال أول بعثة دبلوماسية إنجليزية إلى المغرب هو الحصول، باسم الملك جون، على اعتراف دولي بشرعيته كملك من خلال الدعم السياسي والعسكري من إمبراطورية دولة الموحدين. وهدف جون من خلال ذلك الحفاظ على عرش إنجلترا من دون أن يكون ملتزما التوقيع على الـ«ماغنا كارتا» وتنفيذه. ورغب الملك جون أيضا في أن يضع نفسه تحت حماية القوات المسلحة المغربية أملا في نشرها في ربوع الجزر البريطانية للدفاع عنه ضد النبلاء وضد أي غزو محتمل من ملك فرنسا الذي يباركه البابا.

وفي مقابل الحماية المغربية، عرض الملك جون على محمد الناصر الموحدي الاتفاق التالي:

إن الملك جون سوف «يسلم إليه (محمد الناصر) نفسه ومملكته طواعية، وإذا شاء فسوف تصبح تابعة له؛ وسوف يتخلى أيضا عن الدين المسيحي الذي عده زائفا، ويعتنق دين النبي محمد (الإسلام)». أي إن الملك جون عرض على الحاكم الموحدي أن يكون ملكا مسلما على إنجلترا «مسلمة» خاضعة لنفوذ دولة الموحدين.

نقل أخبار هذا العرض رجل الدين في لندن القس روبرت (المذكور آنفا) إلى معاصره الراهب البنديكتي ماثيو باريس (1200 - 1259) في دير سانت ألبانز بإنجلترا. ثم كتبه الراهب باريس باللغة اللاتينية، وأضافه إلى سجلاته عن تاريخ العالم التي تحمل اسم «كرونيكا ماجورا».

تجدر الإشارة إلى أن عرض الملك جون تناوله الكثير من المؤلفين مثل بي جي روجرز «تاريخ العلاقات الأنجلو - مغربية حتى عام 1900»، الصادر عن وزارة الخارجية ومكتب الكومنولث، في لندن أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي، من صفحة 1 إلى 5، وريتشارد تومسون «مقال تاريخي عن الـ(ماغنا كارتا)»، الصادر في لندن عام 1829. صفحات 10 و483 و484، ومقال غراهام ستيوارت «الملك الذي أراد الشريعة في إنجلترا» المنشور في جريدة «التايمز» اللندنية بتاريخ 16 فبراير (شباط) 200. ومقال جون ديربيشاير «الولايات المتحدة الإسلامية»، المنشور في «ناشيونال ريفيو أونلاين» بتاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. وفي الموقع الإلكتروني للسيد روبرت سويل (www.robertsewel.ca).

ومرة أخرى، وفقا لما ذكره الراهب باريس، وما رواه جون ديربيشاير المذكور آنفا، كان الحكم على عرض الملك جون، الذي نطق به محمد الناصر شخصيا، وأبلغه إلى المبعوثين الإنجليز كالتالي: «لم أقرأ أو أسمع قط أن ملكا يمتلك مثل هذه البلاد المزدهرة، الخاضعة والمطيعة له، يقوم عن طواعية بجعل بلده الحر يدفع الجزية لغريب. قرأت وسمعت عن كثيرين يفضلون السعي إلى الحرية ولو على حساب الدماء، وهو عمل جدير بالثناء؛ ولكني الآن أسمع من ملككم البائس الكسول الجبان.. يرجو من رجل حر أن يصبح عبدا فيصبح أكثر البشر بؤسا».

واختتم الناصر، وفقا لديربيشاير، رده بالتساؤل عن سبب سماح الإنجليز لمثل هذا الرجل بأن يحكمهم. وخلص إلى القول: «إن الملك جون غير جدير بالتحالف مع حاكم مسلم مثله». وهكذا، صرف المبعوثين محذرا إياهم من رؤيتهم مرة أخرى بسبب العمل المشين الذي أقدم عليه سيدهم.

وبينما لاقى عرض الملك جون وطلبه المساعدة المغربية رفضا من محمد الناصر، لم ير الحاكم الموحدي في الجزر البريطانية أي قيمة جغرافية استراتيجية إيجابية نظرا للوضع السياسي والعسكري الاستثنائي الصعب الذي كانت تواجهه آنذاك الدولة الموحدية، ذلك أن الموحدين كانوا قد خسروا معركة العقاب (لاس نافاس دي تولوسا) في إسبانيا قبل أشهر قليلة من هذه الواقعة، وذلك في 16 يوليو (تموز) 1212 (الصورتان 8 و9).

كانت هذه الهزيمة الثقيلة نتيجة لحملة صليبية أعلنها البابا إينوسنت الثالث، وقادها تحالف من الملوك الكاثوليك في قشتالة ونافارة وأراغون والبرتغال، بالإضافة إلى تعزيزات عسكرية جاءتهم من مناطق أخرى من أوروبا، أبرزها فرنسا.

وشكلت نتيجة هذه المعركة عاملا فاصلا في تاريخ إسبانيا خلال العصور الوسطى. وكانت الأجراس تقرع إيذانا ببداية نهاية الهيمنة الإسلامية على الأندلس والانسحاب إلى غير رجعة لإمبراطورية الموحدين من شبه الجزيرة الأيبيرية وبقية شمال أفريقيا. ونتيجة لذلك، لم يكن خوض معركة عسكرية مغربية جديدة على الأراضي الإنجليزية خيارا مطروحا أمام الناصر، الذي توفي عام 1213، وربما تكون الهزيمة العسكرية التي لحقت به في معركة العقاب سببا غير مباشر لذلك.

لقد كان للموقف المغربي غير الداعم للملك جون نتائج مهمة غير مباشرة بالنسبة لمستقبل إنجلترا السياسي. إذ وجد الملك جون من دون أي دعم، سواء من داخل مملكته أو من الخارج. لذلك، لم يكن لديه خيار، في العام ذاته (1213)، سوى أن يصلح أخطاءه، ويرضخ لرغبة البابا الذي أعاد ضمه إلى الكنيسة الكاثوليكية في مقابل حصول هذه الأخيرة على تعويض مادي كبير.

وأجبر الملك الإنجليزي، في آخر المطاف، على التوقيع على ميثاق الـ«ماغنا كارتا» في 15 يونيو (حزيران) 1215، بيد أنه تنمر لتوقيعه بعد مرور عشرة أسابيع فقط؛ لسبب أساسي هو أن أحد بنود الميثاق يهدد الملك بمصادرة جميع أراضيه وممتلكاته إذا ما تجاوز سلطاته المنصوص عليها في الميثاق. وناشد الملك جون البابا من أجل مساعدته، مما أدى إلى صدور البيان الباباوي، الذي نشر في نهاية صيف 1215، الذي عد توقيع الـ«ماغنا كارتا» باطلا وغير معترف به. وفي شتاء العام ذاته، اندلعت الحرب الأهلية في جميع أنحاء إنجلترا. وظل الملك جون هدفا لهجوم العائلات الأرستقراطية حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1216 عندما توفي إثر إصابته بمرض الدوسنتاريا (الجهاز الهضمي).

وأخيرا، حافظت وفاة الملك جون على مستقبل الـ«ماغنا كارتا»، الذي مر بعملية طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسسية. وهكذا، جرت مراجعة هذا الميثاق في أعوام 1216 و1217 و1225، قبل أن يخرج الميثاق في صورة نهائية عام 1297. وتشكل أول برلمان منتخب في إنجلترا في عام 1265 بقصر ويستمنستر في لندن. وفي عام 1341، أقر البرلمان إجبارية أداء القسم من لدن جميع الموظفين والمديرين العموميين، لجهة طاعة نص وروح الـ«ماغنا كارتا».

وخرج شعب مملكة إنجلترا من هذه المجموعة الأولى من الإصلاحات بشعور عميق بالانتماء والطبيعة المتفردة والانفصال العقلي عن القارة الأوروبية، وخاصة مع الأراضي التي تقع في دولة فرنسا اليوم، والتي كانت متصلة تاريخيا بدولة بلانتاجينت. ولكن هذا الشعور الجديد بالهوية لم يمنع إنجلترا، المعاد تشكيلها، من القيام بمحاولة فاشلة لانتزاع هذه الأراضي من مملكة فرنسا التي عدتها من ممتلكاتها أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر (حرب المائة عام التي دامت ما بين 1337 و1453).

وخلال هذين القرنين، تمسكت دولة المرينيين المغربية بالأندلس من دون فائدة لتسقط فريسة لما يعرف الآن بحروب الاسترداد. إذ خسر المرينيون الأندلس نهائيا في 30 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1340، عندما هزموا في معركة ريو سالادو (بالقرب من طريفة) ضد قوات مشتركة بقيادة ألفونسو الحادي عشر ملك إسبانيا، وألفونسو الرابع ملك البرتغال.

وكما كان موقف إنجلترا تجاه أراضيها التي خسرتها أمام فرنسا، وتأثير ذلك على هويتها القومية، ساهم فقدان الأندلس في تشكيل شخصية جديدة للأمة المغربية، بدأت منذ ذلك الحين في النظر إلى عميق دواخلها، والعودة إلى القيم الجوهرية لأعماق الدولة. ونتيجة لذلك، اكتسبت البلاد شعورا بوجود شعب متماسك يملك حسا وهوية مغربية قحة، شعب متفرد في طبيعته ومنفصل عن شبه الجزيرة الأيبيرية، وأيضا عن أوروبا. وشكل هذا الانفصال نقطة مهمة في إعادة النظر في شأن المرجعية التاريخية للشعب المغربي، ورفضه في هذا النطاق وحدة روما روحيا ومعنويا. وانطلاقا من هذا الانفصال الذهني والثقافي، أصبح «الآخر» هو «الروم» في الوجدان المغربي. كما أن دولة المغرب عزلت ذاتها اقتصاديا عن أوروبا، مفضلة الاعتماد على الذات وخضوع تجارتها الخارجية لرقابة حكومتها المركزية.

ومن خلال هذه التحولات، ظهر نظام فكر مغربي محدد، نتجت عنه موجة ثقافية عبرت عن ذاتها باللغة العربية المنتصرة النامية من جامعة القرويين في مدينة فاس، بالإضافة إلى شبكة من المدارس المرينية المنشأة آنذاك. كما انتشرت روح الصوفية بين طوائف أصحاب الحرف التقليدية في المدن، بالإضافة إلى المزارعين وسكان البادية. وبدأت الزوايا الحث على الجهاد في البر والبحر. وتبلورت دواليب نظام المخزن، أسلوب الحكم المغربي، مع صعود الحاكم السعدي أحمد المنصور الذهبي الذي رعى تنظيم دولة شريفة ملكية مركزية.

حافظ نظام المخزن على ذاته بمراقبة التجارة الخارجية، مستعينا بالمواهب التجارية والمهارات اللغوية الأجنبية التي تميز بها الوافدون من الأندلس، من أصول مسلمة ويهودية، على حد سواء، ومنح حكومته وشعبه شعورا قويا بالانتماء إلى الدولة.

وتعززت سياسة المنصور الذهبي الخارجية بسلطاته المالية والعسكرية التي اكتسبها حديثا وبمعرفته الكبيرة بالجغرافيا السياسية. وأعرب عن ذلك من خلال جهاز دبلوماسي نشيط ذي طابع حديث يشبه نظراءه الأجانب المعاصرين.

وجد نموذج المخزن جذوره الأساسية داخل المغرب، وكان يستلهم من النموذج المؤسسي العثماني ما يتعلق بمسائل الدفاع والعسكرية. وترجع أصول المخزن أيضا إلى التراث الإسلامي، حيث حاول الالتزام بالمبدأ التالي «لا يوجد عدل من دون أمن، ولا يوجد أمن من دون مال، ولا يوجد مال من دون عدل».

سمحت هذه التحولات الكبيرة للمغرب بالحفاظ على وحدته وهويته واستقلاله، بجمع نقاط القوة السياسية والعسكرية والدينية حول قيادة وتوجيه الحكام «الأشراف» الجدد، الذين تغلبوا على القبلية وتمتعوا بالشرعية الدينية، بالإضافة إلى التفوق السياسي على نظام الإقطاعيات القبلية والإقليمية. كما سمح ذلك للمغرب باكتساب مرونة كبيرة في احتواء تهديدات الغزو والاحتلال من قبل القوى الإمبريالية الأوروبية والعثمانية، وذلك لفترة طويلة للغاية امتدت من عام 1415 إلى 1956.

وهكذا، استطاعت الأمة المغربية التغلب على حروب كبرى وأزمات وصعوبات مما حدد مصيرها؛ الانتصار في معركة الملوك الثلاثة عام 1578؛ غزو السودان ودولة صنغاي الأفريقية في عام 1591؛ احتلال موانئها ومدنها الساحلية من قبل البرتغال وإسبانيا، ولفترات متقطعة من قبل إنجلترا؛ مخاطر وجود الإمبراطورية العثمانية على سواحلها الشرقية؛ الأزمات السياسية الناتجة عن احتلال فرنسا للجزائر عام 1830؛ تمزيق أوصال البلاد والانقسام الاجتماعي والقبلي الذي نتج عن المحميات الفرنسية والإسبانية من عام 1912 إلى عام 1956.

في إنجلترا، اتخذت عملية الإصلاحات الديمقراطية منحنى أكثر حسما في القرن السابع عشر مع إدوارد كوك (1552 - 1634، 13) الذي تولى منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاة في عهد دولة ستيوارت. آنذاك، أعاد كوك تفسير الـ«ماغنا كارتا» ليصبح إعلانا يضمن الحقوق الفردية ويكون أصل مبدأ الحكم الذي يتخذه القاضي.

اعتمد كوك في إعادة التفسير على المادتين 39 و40 من نص عام 1225 للـ«ماغنا كارتا». وكان نص هاتين المادتين كالتالي:

المادة 39 «لا يجوز القبض على رجل حر، أو سجنه، أو انتزاع ملكه، أو خروجه من حماية القانون، أو نفيه، أو تعرضه لأي نوع من الإيذاء.. إلا بناء على محاكمة قانونية أمام أقرانه وبمقتضى قانون البلاد».

المادة 40: «لن نبيع العدالة أو حقا من حقوق الإنسان ولن نحرم منها إنسانا ما».

جعلت هاتان المادتان الـ«ماغنا كارتا» أحد أهم النصوص والتشريعات الأساسية في التاريخ الإنساني، وعد الميثاق من أكثر الوثائق تأثيرا. ويحتل الميثاق المكانة ذاتها التي تمثلها ثلاثة نصوص أخرى ذات وضع مشابه؛ وهي تحديدا أسطوانة الإمبراطور الفارسي قورش البابلية (539 ق.م) والتعاليم المنقوشة على أعمدة الإمبراطور أشوكا من السلالة الماورية الهندية في القرن الثالث قبل الميلاد وأخيرا وليس آخرا، «حلف الفضول» الذي جرى في حضور النبي محمد عليه الصلاة والسلام والخليفة أبي بكر الصديق، إذ جرى هذا الحلف بين عشائر من قبيلة قريش في نحو عام 590 الميلادي، ويعد من أول التحالفات في العالم التي تعنى بحماية حقوق الإنسان.

وتعد الـ«ماغنا كارتا» اليوم جزءا لا يتجزأ من الوثائق القانونية المؤسسة للقانون الدستوري الإنجليزي، التي ساهمت بإلهامها طوال فترة امتدت من عام 1628 إلى عام 1949 في التماسات قانونية ومشروعات القوانين والقوانين مثل:

* التماس الحقوق لعام 1628، الذي أكد مبدأ امتلاك البرلمان السلطة الوحيدة والحصرية للتصويت على قوانين فرض الضرائب وإلغاء الأحكام العرفية في فترة السلام، وحق المعتقلين في السؤال عن شرعية اعتقالهم بما يتفق مع قرار المثول أمام القضاء.

* وثيقة الحريات لعام 1689 التي تعرف مبادئ النظام الملكي البرلماني في إنجلترا، وتضع قائمة من الحقوق التي تحترم الشعب بالطريقة التي يجري بها تمثيله في البرلمان. وشكل هذا الإعلان تقدما كبيرا فيما يتعلق بحرية التعبير.

* مرسوم التولية لعام 1701، الذي يضمن تولي المذهب البروتستانتي عرش إنجلترا، ويؤكد الفصل بين السلطات.

* القوانين البرلمانية المكونة من قانونين جرى التصويت عليهما في عامي 1911 و1949 اللذين وضعا قيودا على سلطة مجلس اللوردات في منع إقرار القوانين.

وتبعا لذلك، انعكست روح الـ«ماغنا كارتا» والوثائق والقوانين والتشريعات البرلمانية الأساسية لفترة طويلة، وبقوة، على الحياة السياسية في المملكة المتحدة، حتى إنها أصبحت أحد أهم أعمدة الهوية الوطنية التي أضفت شعورا عميقا بالعدالة وحقوق الإنسان في الجزر البريطانية. وضع ميثاق الـ«ماغنا كارتا» والوثائق القانونية المرتبطة به أيضا تعريفا للعلاقة بين الشعب والسلطة، بين الحاكم والمحكوم. ونصت على أنه لا أحد فوق القانون، وأن أي شخص بغض النظر عن مركزه يظل خاضعا للمساءلة ويجب أن يتحمل المسؤولية. في سياق ذلك، أعرب الفيلسوف والمفكر الفرنسي فولتير، (1694 - 1778)، عن إعجابه بحرية التعبير التي كانت متوافرة في إنجلترا في عصره، ذلك أنها كانت مكفولة منذ عام 1695. ووصف في كتاباته ملك إنجلترا بأنه «الحكم الأعلى بين السلطات» في البلاد.

إضافة إلى ذلك، أصبحت روح الـ«ماغنا كارتا» أيضا ذات تأثير كبير على القوانين الدستورية التي حكمت معظم الدول الأنغلو - سكسونية إلى جانب الدول الجديدة التي خرجت من معطف الإمبراطورية البريطانية. وترجع أصول الدستور الأميركي إليها أيضا، كما هو الحال مع القوانين الأساسية في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا وكندا (فيما عدا إقليم الكيبك)، واتحاد جنوب أفريقيا. وفي عام 1948، كان ميثاق الـ«ماغنا كارتا» مصدر إلهام لواضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

ووفقا لصحيفة «فايننشيال تايمز» في عددها الصادر في 12 يوليو 2013، ستحتفل المملكة المتحدة في فبراير (شباط) عام 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا»، في المكتبة البريطانية بلندن. وسوف يجري جمع النسخ الأربع التي ما زالت موجودة، وعرضها لأول مرة في التاريخ على مدار ثلاثة أيام فقط.

وفي لفتة رمزية، سوف يجري اختيار 1215 شخصا عن طريق القرعة ليحظوا بشرف الحضور ومشاهدتها. وبعد كل ذلك، سوف تعاد كل نسخة من النسخ الأربع إلى مكان عرضها الأصلي والدائم، وهي تحديدا كاتدرائيتا مدينتي لينكولن وسالسبري، والمكتبة البريطانية التي تملك اثنتين من النسخ الأربع الأصلية.

بالتزامن مع الذكرى الخمسين على إلقاء مارتن لوثر كنغ خطابه الشهير «يراودني حلم» في واشنطن العاصمة في ذروة كفاحه من أجل الحصول على الحقوق المدنية للأميركيين من أصل أفريقي، أصدر مغني الراب الشهير «دجي زي» أسطوانة جديدة في اليوم الرابع من يوليو عام 2013، الموافق لذكرى إعلان استقلال الولايات المتحدة، تحت عنوان «ماغنا كارتا.. السيف المقدس» ( 16). أراد المغني بهذه الطريقة أن يعرب عن التقدير لهذا الميثاق القديم، الذي فتح الأبواب أمام الحريات الفردية واحترام الكرامة الإنسانية. وأعرب فيه عن أمله أن تستمر روح الميثاق في تحقيق تغيير إيجابي، وتصل إلى حياة السكان الفقراء والمهمشين من الشباب في أحياء أميركا المحرومة التي تنحدر أصول هذا المغني منها، وأصبح رمزا فيها.

وفي لفتة غير مسبوقة وذات رمزية لتأييد رسالة الأمل التي يحملها هذا المغني، يخطط الرؤساء الروحيون لكاتدرائية سالسبري في إنجلترا عرض غلاف أسطوانة «دجي زي» إلى جوار النسخة الأصلية من الـ«ماغنا كارتا»، في أثناء الاحتفالات المقبلة في عام 2015 بمناسبة الذكرى رقم 800. وبهذه المناسبة، يمكن أن تستغل المؤسسة الشقيقة للمكتبة البريطانية في الرباط، المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، هذه المناسبة لتستضيف في الرباط حدثا إضافيا بعرض نسخة من الـ«ماغنا كارتا» التي ترجع بعض الأسباب غير المباشرة في وجودها إلى التداعيات السياسية والتاريخية لاتصال مراكش الدبلوماسي الأول في عام 1213 بين المغرب وإنجلترا. ونأمل أن تنظم إلى هذا الحدث سلسلة من المؤتمرات والنشرات التوضيحية التي تخاطب الأطفال وطلاب المدارس الثانوية والجامعات، وتستهدف أيضا عامة الشعب، وبذلك يصبح الجمهور على دراية أكبر بدور المغرب البارز في هذه المرحلة من تاريخ العالم، وهو الدور الذي يجري تجاهله كثيرا في الوقت الحالي.

ربما تكون الرسالة الرئيسة الأخرى التي تحملها هذه الفعاليات الإضافية للشعب المغربي عامة، هي أن الطريق إلى الديمقراطية غالبا ما يكون طويلا وشاقا، كما تمثله التجربة الإنجليزية التي تحدثنا عنها، ولكنه ما زال الطريق الوحيد الذي يجب السير فيه.

* سفير المغرب لدى المملكة المتحدة (1999 - 2009)

* جريدة الشرق الاوسط

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« أكتوبر 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية