السلطان عبدالحميد الثاني في المنفى

alt

في يوم الثلاثاء المصادف لليوم السادس من ربيع الاخر لسنة 1327 هجري - 1909/4/27م حضر الوفد المكلف بابلاغ قرارخلع السلطان الى قصر يلدز في الساعة  1:32 ظهرا وكان يتالف من:

1-الفريق عارف حكمت باشا : كان عضوا في مجلس المبعوثان وياورا سابقا  للسلطان .

2-اللواء اسعد باشا : نائب في مجلس المبعوثان .

3-ارام افندي : وهو ارمني وكان عضوا في مجلس المبعوثان .

4-عمانوئيل قره صو : يهودي من سلانيك اسباني الاصل ، ونائب عن سلانيك ، كان يحمل الجنسية العثمانية والايطالية في الوقت نفسه! ومن زعماء الماسونية في سلانيك و المحفل الماسوني الايطالي .

دخل الوفد مع الميرالاي غالب بك على السلطان  الذي استقبلهم واقفا ، وقد بادره اسعد باشا قائلا له : لقد اتينا من مجلس المبعوثان وهناك فتوى ....ان الامة قد عزلتك . ولكن حياتك في امان فاعترض السلطان على كلمة" العزل "وفضل استعمال كلمة "الحل" ثم تلا قوله تعالى { ذلك تقدير العزيز العليم } ثم التفت الى الوفد مشيرا الى "قره صو" اليهودي قائلا:"الم تجدوا شخصا اخر غير هذا اليهودي لكي تبلغوا خليفة المسلمين  قرار الحل ؟ ثم اردف قائلا وهو يشير الى حوادث 31 مارت التي اتهم فيها بانه هو المدبر لها : " اني لم افعل ذلك  وعلى الامة ان تفتش عن مسببها ان على الشعب ان يكتشف المتسببين ولكني ارجوا ان اقيم مع عائلتي في قصر " جراغان " الذي كان يسكنه اخي "مراد".

اجاب الوفد بان المجلس اتخذ قراره بجعل اقامته في قصر مدينة "سلانيك" فقال السلطان " اني تعب كما ان تقدم  سني لايسمح لي بالسفر الطويل ،وانا اقسم بالله انني لاارغب في السلطنة ، لذا  ارجو ان اقيم  مع عائلتي في قصر "جرغان".

اجاب الوفد بان ايفاء طلبه هذا خارج عن صلاحيتهم لذا فانهم سيغرضون طلبه على المجلس وبعد ساعتين او ثلاث من مغادرة الوفد القصر جاء الجواب من المجلس وهو التهيؤ فورا للسفر الى سلانيك.

وبدات الاستعدادات  في قصر "يلدز" لمثل هذا الرحيل ولم يكن اما السلطان وقت كاف ، فالتهديد بان فقد اية دقيقة يمثل خطر على حياته وعلى حياة عائلته  ولم يستطيعوا ان يخذوا الحاجات الضرورية من ملابس و واغطية ولوازم اخرى .

وقفت عربتان  تحيط بهما ثلة من الجنود والضباط امام القصر حيث نقلت السلطان و24 فرد من  عائلته وبعض خدمه  في سكون الليل الى محطة القطار في منطقة "سيركجي".

واما في القطار فتقول الاميرة عائشة بنت عبدالحميد في مذكراتها (وتحرك القطار باقصى سرعة وكان هناك جناح صغير فدخل ابي اليه ودخلنا نحن الى الصالون واضطر بعضنا الى الجلوس  على الارض ،كنا جميعا في حالة سيئة بسبب الانفعال و الخوف  الذي اصابنا ، وكلما كان القطار يقف في المحطات كنا نرتعد ويسال كل منا الاخر قائلا:ماذا حدث؟وماذا هناك؟ ، واتذكر انه كانت هناك مظاهرات في بعض المحطات وانه تم القاء الحجارة في احدى هذه المظاهرات ولذلك  انزلنا الستائر ، وانا لا اتذكر اليوم او الساعة التي وصلنا فيها الى" سلانيك " واظن  ان الساعة كانت العاشرة في الليلة التالية ، ولم نقف في محطة المدينة ، فقد وقفنا  قطارنا في مكان فارغ ويبعد كثيرا عن  المدينة ، واخبروا ابي بوصولنا  وباننا سننزل هنا ودخل احد المفتشين وكان شابا فرنسا ،اشقر، يفحص الماكينات وعندما  جاء ابي الى اول السلم قال يخاطب المفتش : "تعالى يابني وامسكني ارجوك "، وساعده على النزول وبعد ان شكره انزل الشاب امي وانزلنا نحن ايضا ،وبعد ذلك صعدنا مطلعا  وكنا نسير والظلام دامس ، ووصلنا الى مكان الذي كانت العربات تنتظرنا فيه ، وجلسنا في العربات وتحركنا وكان الجنود راكبوا الخيول يسيرون على جانبنا ، وبعد السير لمدة نصف ساعة وصلنا الى قصر علاء الدين ، وقال ابي الذي  تضايق لعدم تدخينه منذ اليوم الذي تركنا القصر فيه يخاطب  جندي الشرطة العسكري  الذي كان يمتطي صهوة الجواد ويسير بجانب عربته :"هلا اعطيتني سيجارة يارفيق الوطن" وكان مسرورا جدا لان الجندي اعطاه سيجارة!} وهذه هي رواية الاميرة عائشة.

وفي مدينة سلانيك كانت الحكومة قد رجت الجنرال  "رويلان" الذي كان يشغل  منصب المفتش العام للجندرمة في الدولة العثمانية  ان يخلى قصر "الاتيني"  الذي كان يقيم فيه  لكونه قد خصص لاقامة السلطان مع مرافقيه  وينتقل الى سكن اخر هياته له الحكومة .

وصل السلطان مع مرافقيه  الى محل اقامته  في قصر"الاتيني" في الساعة 8:48 مساء حيث كان في استقباله  "هادي باشا"  وكيل قائد الجيش الثالث واسماعيل حقي رئيس بلدية سلانيك و القائمقام "تحسين اوزر".

لم تكن الحكومة قد هيات وسائل الراحة الضرورية للسلطان ولمرافقيه فالاسرة والاغطية والاواني والصابون ....الخ تكاد تكون غير موجوده.

كما  ان الكهرباء والماء كانا مقطوعين ، وعندما اخبر رئيس الحرس بهذه النواقص ارسل بضعة جرادل من الماء وبضعة شموع وفرش واغطية قذرة التي جمعت من الفنادق وبعض الطعام.

قضى السلطان عبدالحميد ثلاث سنوات تقريبا في هذا القصر (من1909الى1912)  معزولا عن العالم الخارجي محاطا بحراسة شديدة ليستطيع احد بالخارج الاتصال به ولا ان يتصل باحد كما ان الجرائد كانت  ضمن الممنوعات ، فصبح يقضي وقته بممارسة هواياته في النجارة ثم في الاستراحة وتامل البحر وهو غارق بين دخان السجائر في استعادة ذكرايات ايام حكمه الطويل.

وقد يتسامر مع احد ضباط الحرس مثل الملازم اول "ذنون دبرلي" قال السلطان السابق للملازم الاول : "ان هناك حاجة قصوى  لصداقة بريطانيا  للعالم الاسلامي ،لان حماية ملايين المسلمين في الهند وفي شمال افريقيا تحتاج الى صداقة هذه الدولة .

ومن جانب اخر فان المانيا بجيوشها البرية  الضخمة واسلحتها دولة لايمكن ابدا التقليل من اهميتها فيجب تجنب اثارتها ضدنا ولكي تستفيد الامبراطورية العثمانية من علوم الجيوش البرية من المانيا ومن فنون البحرية العسكرية من بريطانيا فان علينا ان نحافظ على صداقة كلتا الدولتين وبالمستوى نفسه.

بالاضافة الى هاتين الدولتين هناك روسيا القيصرية ,التي لها اهمية بالغة بالنسبة الينا ,ان اجدادنا الكرام قاتلوا الروس مائتي سنة , وقد حاربت الروس في بداية حكمي مع انني كنت معارضا للحرب لانني كنت اعلم  بان مواردنا لاتكفي لتسيير  شؤون الحرب ,ولكن مدحت باشا كان قد اخذته نشوة احلام النصر واثر على مجلس المبعوثان واصبحت الحرب شيئا لامهرب منه وخاصة ان هنا عداء ضد الروس في البلاد ويمكن اثارته بسهولة في اي وقت,حاربنا وهزمنا ووصل الروس مشارف اسطنبول ,ولكن كان هذا درسا بليغا لي ,فقد تجنبت الحروب على الدوام الى حرب اليونان  حيث لم يكن من الامكان السكوت عنهم ,ولكن لم ندخل الحرب الى بعد دراسة كافة عوامل النصر ,وانتصرنا في معركة "دومكت" و وصلنا ابواب اثينا وكانت هذه الحرب تجربة واختبار لقوتنا ,مماجعل امبراطورية المانيا تهرع الينا, وبتعاملنا الحسن مع اليونان حصلنا على صداقة المانيا,ممادفع انكلترا التي قلقت من هذه الصداقة الى ابرام معهدات  جديدة معنا.

ثم في مناسبة اخرى يشرح نظرته حول الشؤون الاقتصادية للدولة العثمانية فيقول"انني الان بعيد عن السلطة ياذنون بك ,لذا فانني شاشرح لك مايجول في خاطري :ان بلدنا يعيش ازمة مالية منذ مئة عام فالحروب العديدة التي دخلتها دولتنا افقرت شعبنا وجعلت  الخزينة خاوية".

ثم يشرح رايه في كيفية النهوض بالبلد اقتصاديا فيركز على الاهتما بالزراعة اولا تم بتربية الابقار والعجول ...الى اخره.لتوفير الغذاء للشعب اولا ولتصدير المنتجات الزراعية  والحيوانية للخارج ليكون مصدر منن مصادر دخل الدولة ثانيا.

ثم يستطرد قائلا:"ويجب ان لاتغيب عن البال اهمية موضوع سفس الاراضي فربط انهارنا بالقنوات وانشاء السدود مثل انشاء سد في اسوان  بمصر ضروري جدا والاهتمام بنهري دجلة والفرات وزيادة عدد خطوط السكك الحديد في روملي والاناضول ضروري جدا .وقد فكرت في كل هذه الامور في اثناء سلطنتي وبحثت امكانات تنفيذها. ولكن ماكنت اخشاه هو احتمال تسلط الراسمال الاجنبي ,كما ان ديوننا كبيرة لذا فان الراسمال الاجنبي كان يمثل خطورة على البلد وقد خشيت ان يتحول البلد الى مستعمرة .

ثم يعود الى السياسة فيقول:"لم اكن موفقا على اعلان الحرب على روسيا سنة 1293للهجره ,ولكن مدحت باشا كان يرغب في الحرب , ويمار الضغط على مجلس المبعوثان ولم يكن بالمستطاع التفاهم مع مجلس المبعوثان لذا رايت ان اخذ المسؤولية على كاهلي فعطلت المجلس.."

"وعندما اعلنت المشروطية  الثانية كانت قد مرت فترة طويلة واعتقدت وقتها ان البلد قد نضج, ولكن  الذين ادعوا  انهم جاءوا كاصحاب مبادئ ومثل عليا لطخوا انفسهم بحادثة نهب قصر "يلدز"* فلايدري احد مصير الحولات المالية والذهب الذي اقتصدته وجمعته طوال سنوات عديدة , فقد كنت قد خبات هذا الكنز في مخزن انشأته تحت حوض قصر "يلدز" ..لقد اخذوه من هناك,فان كانوا احاطوا مجلس المبعوثان علما بذلك فهنيئا لهم , ولكنهم لم يتوانوا عن اطلاق  ألقاب"السلطان القاتل,السلطان الظالم ,السلطان الاحمر"علي. ولكن لنر ماذا سيقول التاريخ عنهم؟ان ماتمناه من الله ان يريني مصيرهم".

 قضى السلطان السابق ثلاث سنوات تقربيا في هذا القصر لايعلم شيئا عما يجري خارج محل اقامته الجبرية . بينما كانت الدولةالعثمانية تحت قيادة جميعية الاتحاد والترقي تنحدر الى الهاوية بسرعة كبيرة , وتتفكك اجزاؤها :فقد اعلنت بلغاريا استقلالها والتحقت البوسنة والهرسك بالنمسا واعلنت الثورة في البانيا واحتلت ايطاليا طرابلس الغرب و بنغازي والجزر الاثني عشر واخيرا عقدت الدول البلقانية "بلغاريا والصرب و اليونان والجبل الاسود" اتفاقية فيما بينها واعلنت الحرب على الدولة العثمانية التي كانت غافلة عنها تماما .

ولن دخل في تفاصيل  الحرب التي خرجت منها الدولة العثمانية خاسرة , ولكننا نذكر  هنا مايتعلق بآثار الحرب على السلطان السابق  في سلانيك ذلك لان سلانيك اصبحت مهددة بالسقوط  فرات الحكومة ضرورة نقل السلطان السابق الى اسطنبول .

حضر الوفد المكلف بابلاغ السلطان السابق قرار الحكومة فاستفسر عن السبب ,وعندما قيل له ان اربع دول بلقانية قد اعلنت الحرب على الدولة العثمانية , وان الدولة العثمانية فؤجئت بهذه الحرب وان جيوش الدولة تقترب من سلانيك  لذا استوجب نقله بعيدا عن هذه المنطقة الخطرة , استغرب السلطان السابق هذه الغفلة وقال للوفد :"هناك سفراء وملحقون عسكريون في السفارات , فهل كانوا نائمين ؟ اتتفق اربع دول فيما بينها ولايعلم احد شيئا ؟ عندما كنت في السلطة لم ادع  هذه الدول   تتفق فيما بينهما ابدا بل كنت ابذل بينهم عوامل الشقاق"                                                                                           ثم دعا قائلا :"ادعو الله بصفة "القهار" ان يقهر الذين كانوا السبب فيذلك...ويحهم...الى اي درك ألقوا بالدولة !"                      وهكذا تم نقل السلطان عبدالحميد من سلانيك الى اسطنبول يوم الجمعة المصادف 21من ذي القعدة سنة 1330 للهجره 1912/11/1م  بواسطة بارجة ألمانية حيث خصص له قصر "بكلر بكي" المشرف على البسفور والذي بقي فيه حتى وفاته عام 1918م .

قصر بيلار بيه - اسطنبول - تركيا

قضى السلطان السابق  حياته الباقية في هذا القصر محطا بحراسة مشديدة و كان يسمح لافراد عائلته بزيارته ايام الاعياد فقط .                                                                                                                                                           بعد سنتين من اقامته اعلنت الحرب العالمية الاولى ودخلت الدولة العثمانية في اتونها بقرار جنوني من جمعية الاتحاد و الترقي  الذين كانوا يسيرون خلف ألمانيا .                                                                                                            وفي بداية الحرب العالمية الاولى استدعى السلطان السابق "انور باشا" الذي كان نائب القائد العام وكان ايضا قد تزوج من الاميرة ناجية ليحادثه ولينصحه . وقال له :"ابني انور باشا! انني ادعوك ابني لانك اصبحت فردا من عائلتنا , وانت عسكري شجاع وشهم فلا تبتئس بما قاله الامير يوسف عز الدين"ابدى ولي العهد يوسف عز الدين معارضة شديدة في اختيار انور باشا صهرا لال عثمان"فالجميع يعلم ون ان المشير عثمان باشا لم يكن قبل بلائه العظيم في معركة "بلفنة" سوى شخص عادي ولكنه بعد تلك المعركة زوجته ابناءه قريباتي ورقيته الى اعلى رتبة "مشير" ,  واختصارا بدأ السلطان بضرب امثلة للقادة الذين كانوا اشخاصا عادين وبسبب انجازاتهم  وصلوا الى اعلى الرتب وتزوجوا من ال عثمان .

وكنت اول  سلطان يفتتح مجلس المبعوثان ولكني عندما رايت ان النواب لم يكونوا بالدرجة لمطلوبة من النضج اغلقت المجلس .هل تعلم ماذا كلفتنا  الحرب التي اعلنها مجلس المبعوثان العثماني؟ فقدنا البلقان بكامله والروملي كذلك .

نعم يا انور باشا...انتم الان دخلتم الحرب ..دخلتموها  بدون رؤية ,فدفعتم البلد الى الخطر . ادعوا الله ان يجعل نهايتها  خيرا لدولتنا وشعبنا. ولكن ماذا لو انتهيت الحرب بفاجعة؟ الانخسر الاناضول ايضا؟ لقد سرت مع "جيش الحركة" الى اسطنبول ظافرا واستوليتم على المدينة وحتى على القصر  وتمكنتم من خلعي ...حسنا..ولكن لاتنسوا انني انا الذي منعت قواتي من اطلاق النار عليكم حقنا للدماء , ولو جابهتكم بالمقاومة لكلفتكم ثمنا باهظا , ولكن رفقاءكم لم يقدروا ذلك, واتهموني بتدبير حادثة "31مارت" بينما لم تكن لي اية علاقة بها...ولايخلوا اي عهد من اعداء الدولة , ولكن لايقبل اي ضمير ولا اي وجدان إلصاق التهم  دون التحقق .                                                                                                                               ان ما آلمني كثسرا وحز في نفسي  قيامكم بإرسال شخص كنت قد طردتهمن حضوري ضمن الوفد الذي ابلغني قرر  خلعي من السلطنة ...هذا الشخص هو "عمانوئيل قره صو" لقد كان ارسال هذا اليهودي الاجنبي تحقيرا منكم لمقام الخلافة  والسلطنة  الذي كان استاذا اعظم في المحفل الماسوني في سلانيك  , انتم الان في السلطة وبإمكانكم الفخر بذلك فكل شئ هو كما يروق لكم والمستقبل امامكم  يبدوا باهرا , ولاكن لاتثق بكل ذلك يابني زاسمع مني هذه النصيحة الاخيرة:"ان الذين يصفقون لان لفردا يستطيعون غدا تمزيقه وافتراسه ...انتبه جيدا  وادعوا الله ان يحفظ امتنا ودولتنا".

بعد ان تم عبدالحميد حديثه قام انور باشا وادى التحية لعسكرية وصافحه باحترا شديد وقام السلطان بتوصيله ضيفه الى بباب غرفته .                                                                                                                                                   اما انور باشا الذي تأثر كثيرا بماسمعه فقد عاد الى قصره ونقل الى زوجته الاميرة ناجية حديث السلطان السابق .كما حدث السيد"علي باشهامبه" الذي كان رئيسا للاستخبارات آنذاك ومتسائلا عند ختام الحديث "ماتقول يا علي بك ؟...أليس السلطان محقا في كلامه؟.

عندما ضيقت جيوش الحلفاء الخناق على الدولة العثمانية وتحاول فتح الطريق البري المؤدي الى اسطنبول رأت الحكومة ان عليها نقل العاصمة الى "اسكي شهر" وارسل السلطان  رشاد وفدا الى اخيه عبدالحميد ليخبره فاخبروه  ان يختار اي مدينة في الاناضول  لنقل اقامته اليها .

و اجاب السلطان السابق الوفد :"لن اتحرك من مكاني قيد انملة ان جدي محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول فإن امبراطور بيزنطة لم يفكر في الهروب , وباعتباري  سلطان من نسل الفاتح افلا اكون مثل امبراطور بيزنطة على الاقل ؟ ان مكاني هو مدينة اسطنبول التي فتحها جدي و اذا توفيت فسارقد فيها ايضا".

و هذا الموقف الحازم جعل الاتحاديين يعيدون النظر في موقفهم و يقررون البقاء والدفاع عن اسطنبول.

وفاته

قضى السلطان بقية ايامه في هذا القصر اي قضى خمس سنوات و ثلاثة اشهر وتسعة ايام حتى وفاته في 28 من ربيع الاخر سنة 1336للهجره 1918/2/10 م عن عمر يناهز السابعة و السبعين .

وفي هذا القصر كتب مذكراته **ونقتبس هنا من كتاب الاميرة "عائشة عثمان اوغلو" بنت السلطان عبدالحميد  الموسوم ب"والدي عبدالحميد"حادثة الوفاة :                                                                                                                       "كنت حينذاك في سويسرة ,إذ كنت انجبت طفلي  الثاني عثمان وقد اخبرت والدي برقيا بهذه البشرى ,واستلمت منه جوابا تحت امضاء "راسم بك"***يعلمني فيه عن سروره , ولاتزال هذه البرقية محفوظة لدي, وعندما  كتبت الجرائد السويسرية  خبر ميلاد  حفيد لعبدالحميد الثاني انهالت  التهاني على من كل صوب .

وحسب ماعلمت فإن صحة والدي  في هذه الاثناء لم تكن كالسابق ,إذ بدات في التدهور , واصبح يشكوا من التعب  في جهازه الهضمي! وكان يعتمد على  ادوية الدكتور عاطف بك في تسكين  آلامه , وقبل وفاته  بثلاثة ايام  لبس ملابسه  كعادته وتجول****دون ان يسترح  مع انه كان يشكو من التعب وفي مساء 1918/2/9م جلس مع نسائه الى مائدة الطعام كعادته وتحدث عن قلة شهيته ثم تناول "كبة" واحدة وملعقة او اثنتين من القرع  وقطعة واحدة من حلوى طحين الرز, وعندما قام من على المائدة قال لوالدتي هو يشير  الى صدري: "احس بألم يسري في صدري يسري من الجانب الايسر الى الايمن" فأردت والدتي استدعى الطبيب في الحال , ولكنه لم يكن موجودا , إذا كان قد اخذ اذن من والدي وذهب الى بيته , فرأى راسم بك ان يستدعي طبيبا اخر فارسل في طلب الدكتور "آلاكياديس افندي" المقيم في تلك المنطقة والذي كان طبيبا "لمحمد وحيد الدين افندي" الاخ الاصغر لوالدي : وبعد ان فحصه الدكتور اخبر راسم بك  بإن المرض ليس الى بداية خطرة للسل وقال :"ان مرض الخاقان كبير مثله". لذا قام  راسم بك بإخبار السلطان رشاد و انور باشا بالوضع على جنح السرعة , وفي هذه الاثناء كان عاطف بك قد وصل وتوصل الى نفس النتيجة , وجلب ايضا الدكتور "نشأت عمر بك" وفحص والدي ايضا. 

كان الوضع  والدي خطير جدا , ولعدم وجود الادوية الناجحة الحالية في ذلك الوقت , فإن احدا لم ينم في القصر حتى الصباح . وكان "عابد افندي" اصغر ابناء السلطان  عبدالحميد يتبع الدكتور عاطف كلما دخل غرفة والدي او خرج من عنده . وعندما طلع الفجر قال والدي " اوه!..ماأسرع ما انبلج الصباح" ثم طلب ان يهيأ له  الحمام كعادته كل يوم , ومع انهم ومع انهم حاولوا ان يثنوه عن عزمه هذا لمرضه الا انه اصر قائلا لهم:" ان حرمتموني من الحمام فإنني لن احلكم من حقوقي عليكم" . لذا فقد قامت الوصيفة "كولشن" بتهيئة الحمام وهي تبكي ,ودخل والدي الحمام على خلاف توصية الدكتور  وهو مستند على ذراع والدتي  , ولكنه بدا  يعرق بكثرة بعد خروجه من الحمام . وعلى اثر هذه العلامة التي لاتدل على خير بدات والدتي والسيدة "صالحة ناجية  هانم" زوجته الثانية  بتبادل نظرات الجزع وهما تحاولان ضبط الدموع من عينهما. وصلى والدي ركعتي صلاة الفجر وهو جالس بعد ان وضعوا الوسائد تحت ابطيه, وبعد الصلاة طلب الحليب وبعد ان مزجه بنصف قدح من المياه المعدنية كعادته شربه وقال: "اللهم لك الحمد , انني احسن حالا" ثم ذهب الى غرفة النوم مستندا الى ذراع والدتي.

قصر بيلار بيه - اسطنبول - تركيا

وفي هذه الاثناء كان الاطباء قد وصلوا من قبل الخليفه  يحملون سلامه اليه , وعندما  أخبر بقدوم الاطباء قال:"كلا! انا لا اريد طبيبا ..انا بخير" وسأل عن اسماء الاطباء ثم كرر "لا...لا اريد طبيبا" ولكن عندما قالت والدتي : " ولكن ياسيدي ان اخاك سيمتعض ارجو ان تسمح لهم هذه المرة". اجاب :"هذا صحيح..اخشى ذلك ..ليحضروا" فدخل الاطباء , اما عابد افندي فقد وقف قبالة والدي بعيون دامعة , ولما رأى والدي دموعه قال:" لاتبك يابني..انني بخير فلاتحزن" والعجيب انه اخبر الاطباء بأن حاله هذا يرجع الى افراطه في العشاء امس***** وطلب من الاطباء ان يفصدوا قليلا من دمه كي يستطيع التنفس براحة ففعلوا  ماطلب فقال والدي " اجل ..اشعر بتحسن" ورفض اقتراح الاطباء  اخذ حقنة من المورفين لتسكين آلامه.

بعد ان خرج الاطباء من الغرفة تأخر راسم بك واقترب  من والدي وقبل يده قائلا له والدموع تفيض من عينه :"ياسلطاني  اصفح عني ان كنت قد قصرت تجاهك او  اذنبت في حقك" , فنظر والدي اليه باستغرب ولم يجيبه بشئ وعندما دخلت والدتي عليه و"صالحة ناجية هانم" بعد انصراف الاطباء , قال لهم وهو يبتسم :"ان راسم بك قد قطع امله منا ,فقد قبل يدي وطلب من الصفح عن تقصيراته بحقي". ثم تحسر قائلا:"آه!..لقد اسدلوا ستار اسود على جميع خدماتي , وليس لي من حق  اطلبه من احد" . فقالت والدتي :"ياسيدي! لقد شفيت من قبل من امراض اخطر من هذه المرض, وان شاء الله ستشفى ايضا,اما حقك فإن الله سبحانه سيأخذه دون شك". 

بعد ان علم السلطان رشاد من الاطباء ان الامل مقطوع من حياة والدي ارسل الى اخينا الاكبر محمد سليم افندي رسولا يقول له :"ان والدكم مريض جدا فليذهب جميعكم اليه لرؤيته "                                                                                  وعندما دخلت الوصيفة "دل باريال" الى الغرفة مخبرة بقدوم محمد سليم افندي واحمد افندي قال والدي "لينتظروا قليلا". ثم طلب فنجانا من القهوة ولما جلب "شهرة الدين آغا" القهوة جلس والدي مستندا الى ذراع والدتي قائلا:" ناولين القهوة لاشربها". ثم بدا كانه يودع الموجودين في الغرفة , فقد قبل اولا راحة والدتي قائلا لها" ليرضى الله عنك" ثم امسك يد صالحة ناجية هانم قائلا لها:"ارجوا ان تسامحني ان كنت قد قصرت تجاهك" وخاطب "كولشان" الواقفة قؤب قدميه بقوله:" يابنتي ليرض الله عنك ايضا" ثم تناول رشفة قهوة من القهوة ولكنه قبل ان يرتشف مرة اخرى كانت القهوة قد انسكبت على راحة والدتي حيث ان والدي بعد ان هتف بقوة "الله" سقط راسه على ذراع والدتي التي صرخت :"لقد اغمى على سيدي ليحضر الدكتور حالا, وعندما جاء الدكتور عاطف بك مسرعا علم بالحقيقة المرة ولكنه لم يظهرها للموجودين في الغرفة  الغافلين عنها, وكان عابد افندي قد دخل ايضا مع الطبيب .

كانت والدتي لاتزال ممسكة بوالدي بين ذراعيها لاتريد ان تتخلى عنه, ولكن الدكتور عاطف اخرجها هي وعابد افندي من الغرفة قائلا  لها بخشونة :"دعوه لي...انه مغمى عليه وسأعمل الاسعاف اللازم..اخرجوا حالا ". ثم ألتفت الى الوصيفة "دل باريال" الموجودة في الغرفة قائلا لها:"لم تقفين هكذا؟ اسرعي وائتني بقماش لنربط فكيه", عندما صرخ "شهرة الدين آغا" الرجل المخلص الذي كان واقفا عند باب الغرفة ولايعلم شيئا حتى ذلك الحين "اه..لقد فقدنا سيدنا" واغمى عليه , عند ذلك ارتفعت اصوات البكاء والنحيب من داخل القصر , اما عابد افندي فقد بدا يبكي وهو يقول "كلا..لا اصدق لقد كان الان جالسا على فراشه". ثم دخل ضباط الحرس الى الغرفة وادوا له التحية العسكرية وقاموا بواجب الاحترام الاخير له.

وهكذا انتقل والدي الى دار الابدية يوم الاحد 1918/2/10م  وحسب ما اخبرتني والدتي فقد جاءت "باش قادن" الزوجة الاولى لوالدي والزوجات والاميرات الى قصر"بكلربكي" بعيون دامعة , ولكن الضباط اخرجوا جميع النساء الباكيات المتجمعات حول الفراش قائلين لهم ماهذا"لانريد ازعاجا"ثم تناولوا الخفارة اثنين اثنين , ومن الضباط قضى "زكريا افندي" الليلة الاولى  حتى الصباح بجانب جثمان والدي يتلو القران الكريم, وبقى الوصفاء والامراء الذين اتوا من قبل الخليفة في القصر وجلس الجميع على الارض يبكون حتى الصباح .

وما إن اخرج والدي من الغرفة حتى اسرع "راسم بك" الى ختم الغرفة وقفلها بالشمع  .

وبعد يومين اي في يوم الثلاثاء 1918/2/12م جاء "انور باشا" الى القصر مع هيئة ترافقه وبعد ان ازال"راسم بك"الختم من على الباب دخلت الهيئة اليها وفتحت الدولاب  القريب من السرير واخرجوا الحقيبة التي كان والدي قد اخذها معه عند خروجه من قصر "يلدز"وعند فتحها وجدوا في داخلها لفة من الورق ودفترا سجل فيه والدي مذكراته وعلبه ذات لولب"برغي" على شكل مصحف ومختومة بالشمع بختمه , وعند فتحها وجدوهامملوءة بالمجوهرات ,اما الاوراق والدفتر فقد اخذها "انور باشا" ووضعها في جيب معطفه العسكري وقد قيل لي بأن هذه الاوراق كانت الاوراق التي اخذها من البنك الالماني عندما كان في سلانيك ومن بنك كريدي ليون عندما كان في قر "بكلربكي" ثم قتحت جميع الدواليب ودققت  جيوب جميع ملابسه فلم يجدوا شئ وعند الانصراف لم  ينس انور باشا ان يطلب اختام والدي .

كان والدي قبيل وفاته قد اودع الاختام عند والدتي وطلب منها الاحتفاظ بها , وعندما سأل انور باشا عن الاختام اضطروا الى اخباره بانها موجودة عند والدتي , ولكن والدتي رفضت تسليمها الى الهيئة فهددوها بالحبس في قصر "بكلربكي" عندئذ قالت :لا اسلم الاختام الا الى ابنه الاكبر محمد سليم افندي .وهنا بدؤوا  بتهديد محمد سليم , واخيرا توصلوا الى حل , فقد تقرر ان توضع الاختام في مظروف وتبقى عند محمد سليم افندي بشرط عدم فتحه .

وقد سلم انور باشا  حقيبة والدي الى السلطان رشاد الذي قال:"ان هذه الحقيبة ليست لي بل تعود لاخي..قسم مافيها بين اولاده " لذا سلمت الحقيبة الى  محمد سليم افندي , ووزعت المجوهرات الموجودة ماقيمته عشرة الاف ليرة لكل ابن وخمسة الاف ليرة لكل زوجة . ولما انني كنت موجودة في سويسرة فقد وضعت حصتي  في صندوق لاستلما عند رجوعي".  

الهوامش :

"يلدز"*:قام الاتحاديون بنهب قصر يلدز فسرقوا كل ماكان في القصر مايحتويه من النفائس ومجوهرات  واموال وتحف ولم يتم الى اي اجراء او تحقيق في قضية النهب .

"مذكراته"**: كتب السلطان عبدالحميد مذكراته التي فقدت في هذا القصر ثم عثر فيمابعد على بعض الاوراق والمذكرات والملاحظات التي رجح المؤرخون الاتراك عائديتها للسلطان عبدالحميد ونشرت الاول مرة عام 1922م من قبل الاديب وداد عرفي بسك وترجمة الى العربية من قبل السيد محمد علي عبدالله عام 1927م تحت عنوان "مذكرات السلطان عبدالحميد" ولكن عندما راجت الكتب المؤلفة عن السلطان عبدالحميد في تركيا واقبل الناس على شرائها واخترع احدى الصحفين الاتراك قصة  كاحدى القصص البوليسية عن كيفية عثوره على المذكرات بعد ان اضاف كتابات تاريخية من عنده وترجمت الى العربية من قبل الكتور محمد حرب بقسميها الاصبي والمزيف .

"راسم بك"***:هو الشخص الذي كان مسؤول عن الاشراف على شؤون قصر بكلربكي .

"القصر"****: المقصود هنا التجول في حديقة القصر .

"العشاء"*****: ذكرت بعض المقالات حول وفاة والدي انه اكل (5 كبة , شريحة لحم , بورك عدد 2 مع مقدار من حلوى طحين الرز ) ان والدي لم يكن حت في صحته ياكل هذا الاكل كله , وولدتي تحلف انه لم ياكل غير الذي ذكرته .

 

 

 المراجع :

1-السلطان عبدالحميد حياته واحداث عهده "اورخان محمد علي"

2-مذكرات الاميرة عائشة الناشر "مكتبة الربيعان"

 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
إعلان مدونات عبر
التقويم
« مارس 2016 »
أح إث ث أر خ ج س
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    
التغذية الإخبارية